نوايا الإبادة الطائفية والمخططات الخفية ضد العراق لإعادة هندسة المنطقة

كتب رياض الفرطوسي
تشهد المنطقة تحولات عميقة ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من الأحداث التاريخية والمخططات الاستراتيجية التي تهدف إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم مصالح القوى الكبرى. فما يجري في سوريا ليس مجرد حروب عشوائية أو صراعات طائفية، بل هو جزء من خطة أوسع ترسمها القوى الدولية، وتنفذها أدوات محلية مغرر بها، يتم دفعها نحو الهاوية تحت شعارات دينية زائفة. أما العراق، فبالرغم من عدم دخوله في صراع جديد حالياً، إلا أن ما حدث له أيام اجتياح داعش يعد تأكيداً على تلك النوايا، والتي استطاع الحشد الشعبي إفشالها والحفاظ على العراق من التفكك.
المخططات المستمرة: بين الماضي والحاضر
لطالما كانت منطقة الشرق الأوسط محط أطماع القوى الاستعمارية، حيث استخدمت أساليب متعددة لإحكام قبضتها عليها، من تقسيمها عبر اتفاقيات سايكس-بيكو إلى دعم الأنظمة الدكتاتورية لضمان تبعيتها. ومع دخول القرن الحادي والعشرين، تغيرت الأدوات ولكن الهدف بقي ثابتاً: السيطرة على المنطقة عبر تفكيك الدول الكبرى وإضعافها داخلياً، كي لا تشكل أي تهديد مستقبلي لمصالح القوى العظمى وحلفائها.
دور المخابرات الدولية و”ممالك الشر”
لا يمكن النظر إلى نشوء الجماعات الإرهابية مثل داعش بمعزل عن الدعم الذي تلقته من دول إقليمية ودولية، بهدف خلق حالة من الفوضى العارمة في المنطقة. كشف رئيس الاستخبارات البريطانية السابق ريتشارد ديرلوف عن محادثة جمعته مع رئيس الاستخبارات السعودية السابق بندر بن سلطان، حيث أبلغه الأخير أن “اليوم الذي سيتولى فيه مليار سني أمر الشيعة” ليس ببعيد، في إشارة صريحة إلى نوايا الإبادة الطائفية.
السعودية، كما ذكر الباحث دور غولد في كتابه “مملكة الكراهية”، كانت الداعم الرئيسي لنشر الفكر الوهابي المتطرف، والذي شكل الإطار العقائدي للجماعات الإرهابية الحديثة. ففي عام 2014، كان الدور السعودي واضحاً في سقوط الموصل بيد داعش، إذ تم تسريب عناصر وهابية إلى المدينة قبل اجتياحها، لضمان نجاح العملية.
تفكيك الحشد الشعبي: بوابة جديدة للمجازر
رغم أن العراق لم يدخل بعد في صراع داخلي جديد، إلا أن هناك مؤشرات على مخططات تستهدف زعزعة استقراره، ومن أبرز هذه المحاولات الدعوات المتكررة لتفكيك الحشد الشعبي. فمنذ تأسيسه، كان الحشد صمام أمان العراق أمام تمدد الإرهاب، واستطاع إفشال مخططات كانت تهدف إلى تقليص سكان العراق، كما حدث في الغزوات الوهابية السابقة. ولذلك، فإن حل الحشد ليس مجرد إجراء سياسي، بل هو خطوة باتجاه تهيئة العراق لجولة جديدة من الفوضى.
تفكيك الحشد يعني تسهيل عودة الجماعات الإرهابية، وإضعاف قدرة العراق على حماية حدوده وسيادته. والأخطر من ذلك، أن إنهاء الحشد سيمهد الطريق لإعادة إنتاج سيناريو سقوط الموصل، ولكن هذه المرة، ستكون النتيجة أكثر تدميرًا.
سوريا اليوم: مرآة للمخططات الطائفية
ما يحدث في سوريا هذه الأيام يعكس بوضوح استمرار تلك النوايا الطائفية التي تحدثنا عنها. فالتقارير الأخيرة تشير إلى تصاعد عمليات الإبادة الطائفية التي تستهدف فئات معينة تحت ذرائع دينية، تنفذها جماعات متطرفة بدعم خارجي. هذه الأحداث ليست سوى مؤشر واضح على أن المخطط الأوسع لإعادة هندسة المنطقة لا يزال قائماً، حيث تُستخدم سوريا كحقل تجارب لتكرار السيناريو في دول أخرى مثل العراق. إن تجدد الفوضى الطائفية في سوريا يؤكد أن الهدف ليس فقط تقسيم الأراضي، بل إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية للمنطقة بما يخدم مصالح القوى المهيمنة.
إسرائيل وإعادة هندسة المنطقة
لا يمكن تجاهل دور إسرائيل في هذه الفوضى، فهي المستفيد الأكبر من تفكيك الدول العربية. عبر دعم جماعات مسلحة هنا وهناك، وضمان استمرار الصراع الطائفي، تعمل إسرائيل على تحقيق “إسرائيل الكبرى”، مستغلة انشغال الدول العربية بصراعات داخلية.
كما أن إضعاف العراق وسوريا وإيران وتركيا يخدم مشروع تقسيم المنطقة إلى كيانات صغيرة متناحرة، وهو ما يجعل “المسألة الكردية” ورقة ضغط دائمة بيد القوى الغربية، حيث يتم استخدامها كأداة لإضعاف الدول الكبرى في المنطقة.
وعي التاريخ لمنع تكراره
المشكلة الأكبر في منطقتنا هي أننا ننشغل بالحدث الأخير دون ربطه بالسياق التاريخي، في حين أن القوى التي تتآمر علينا تفهم جيداً أهمية الذاكرة التاريخية، وتعمل وفق خطط طويلة الأمد. المطلوب اليوم ليس فقط مقاومة هذه المخططات عسكريًا، بل وعيها وفهم أبعادها الحقيقية، لكي لا نجد أنفسنا ضحايا جولة جديدة من التدمير الممنهج.
العراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يدافع عن وجوده عبر الحفاظ على قوة وطنية مثل الحشد الشعبي، أو أن يقع فريسة لمؤامرات تفكيكه، تمهيدًا لجولة جديدة من الحروب الطاحنة. المخططات لم تنفذ بعد، ولكن التاريخ يعلّمنا أن الأمم التي تنسى ماضيها، محكوم عليها بتكرار أخطائه.




