آخر الأخبار
ألمقالات

جلبة الانتخابات وفضيحة الدولة الغائبة

جلبة الانتخابات وفضيحة الدولة الغائبة

بقلم: الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري

مع انقضاء جلبة الانتخابات، وانطفاء وهج الوعود اللامعة، تتكشف أمامنا صورة صادمة لحجم ما جرى خلف الكواليس. فقد تشتّتت أفكار الناس بين برامج شكلية وفعاليات انتخابية لا تهدف إلى إقناع الناخب ببرنامج حقيقي، بل لتوجيهه نحو التنازل الطوعي عن صوته. وما يتداوله الناس عن شراء البطاقات الانتخابية، أو تقديم الأموال مقابل الصوت، أو استغلال التقصير المتراكم للوزارات عبر تبليط شارع أو نصب محولة أو مدّ أنبوب ماء… ليس إلا مشاهد لعملية بيع وشراء لا علاقة لها بالديمقراطية.

بل إن بعضها تحوّل إلى مهزلة: مرشحٌ تبنّى تبليط شارع ثم أزال التبليط بعد أن خذله السكان، وآخر دخل في شجار مع من خدعوه في بيع أصواتهم له. وهذه السلوكيات ليست سوى نتيجة لغياب الدولة وتقصير الحكومات المتعاقبة، لا فساد المواطن ولا طمعه.

حين يغيب دور الدولة… يحضر الابتزاز

السؤال الجوهري هنا هو:
لماذا يضطر المواطن لبيع صوته؟
ولماذا يحتاج حيّ أو منطقة إلى أن يساوم على استحقاقه الطبيعي مقابل خدمة بديهية؟

الجواب واضح:
لو كان المواطن يمتلك مصدر رزق يحفظ كرامته، لما احتاج أن يبيع صوته.
ولو كانت الدولة تقوم بواجبها في توفير الخدمات الأساسية، لما احتاج أحد للتفاوض على محولة أو تبليط أو ماء.

هذه الخدمات ليست “منة” من مرشح، ولا فضلًا من حزب. إنها واجبٌ أصيل على السلطة التنفيذية، وأي مسؤول—من رئيس الوزراء إلى أصغر موظف—والمسؤول ما هو إلا موظفٌ لدى الشعب، يتقاضى راتبه لقاء خدمة المواطن وليس استغلال حاجته.

المال العام… ليس سائبًا إلا في ظل فساد السائبين

في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، كل دينار يُصرف يخضع للمساءلة.
أما عندنا، فالنهايات السائبة للحسابات الختامية، والمشاريع غير المعلنة، ومنح العقود دون مناقصات، وتخصيص الأراضي للمقربين… كلها دلائل فساد لا تحتاج لكشفها لجانًا ولا تحقيقات مطوّلة.
يكفي أن نقارن ممتلكات المسؤول قبل تسنّم المنصب وبعده.

ومنح الأراضي الحكومية لكبار السياسيين أو قادة الجيش أو رجال الأعمال، بحجة الاستثمار أو المصلحة، هو شكل من أشكال الرشوة واختلاس حقوق الناس.
والعدالة لا تُجزَّأ: الناس متساوون أمام القانون، ومن يظن أنه فوق القانون فهو خائن للأمانة.

الطائفية الانتخابية… المؤشر الأخطر على دمار الدولة

وكلّ ما سبق فهو خطرًا على مستقبل العراق:
استخدام الطائفية كوسيلة للوصول إلى السلطة بينما ندّعي الديمقراطية.

بعض المرشحين يظهر نفسه وكأنه يبني “دولة أموية أو عباسية”، وآخر يروّج لخطاب تخويفي عن “إنهاء المذهب الشيعي وإحلال المذهب السني”، أو العكس.
وهذه كلها أدوات لتسميم الوعي، وتمزيق هوية الدولة، وتحويل الانتخابات من تنافس برامج إلى صراع طوائف.

هذه الخطابات لا تبني وطنًا، ولا تقيم عدالة، ولا تحفظ أمنًا.
بل تفتح أبواب الفتنة، وتعيد العراق إلى زمن الانشقاقات، بدل أن تسعى لتوحيد الكلمة وبناء العيش المشترك وتحقيق الأمن والاستقرار والرفاه الاجتماعي.

الديمقراطية لا تُحمل بالسيوف الطائفية.
والدولة لا تُبنى بخطاب “نحن” و“هم”.
الديمقراطية تُبنى ببرنامج ومشروع وخدمة عادلة للجميع.

تحمّل المسؤولية… يبدأ من حسن الاختيار

اختيار المسؤول ليس ترفًا ولا مجاملة، بل هو عمود الدولة ومحرّك مستقبلها.
علينا أن نعلّم أنفسنا، ونطبّع سلوكنا، على التحري الجاد قبل منح الثقة لأي شخص يتولى منصبًا تشريعيًا أو تنفيذيًا.
فالعدل لا يُطلب من الآخرين إن لم نبدأ به من داخلنا.

وحقيقة القول وخاتمتة

الحياة قصيرة مهما طالت، و الله لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
ومن خان الأمانة، وتجاوز على المال العام، وأشعل الطائفية، فلن يحصد في النهاية إلا الخيبة والخسران.
أما من صان حق الناس وخدم وطنه بصدق، فله عند الله والناس نصيبٌ من الكرامة لا يزول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى