آخر الأخبار
السياسية

تأثير الانتخابات العراقية على مستقبل موارد العراق المائية

تأثير الانتخابات العراقية على مستقبل موارد العراق المائية
اليوم 11-11-2025 جرت الانتخابات في العراق وتُعدّ هذه الانتخابات محطة محورية لاختيار المسار السياسي والإداري للبلاد، وهي لا تقتصر على تداول السلطة فحسب، بل تمتد آثارها إلى قضايا استراتيجية تمسّ حياة المواطنين ومستقبلهم، وفي مقدمتها إدارة الموارد المائية. فالعراق، بوصفه بلد الرافدين، يعيش منذ سنوات أزمة مائية متفاقمة تهدد أمنه البيئي والاقتصادي والاجتماعي، وحتى السياسي وتزداد أهميتها مع كل دورة انتخابية جديدة، إذ تتجدد التساؤلات حول مدى قدرة القوى السياسية القادمة على التعامل مع هذا الملف المصيري برؤية وطنية وعلمية.
تتأثر السياسة المائية في العراق بطبيعة النظام السياسي بعد الانتخابات. فكل حكومة جديدة تحمل أولوياتها الخاصة، وغالبًا ما تكون الملفات الخدمية والسيادية، مثل المياه، ضحية الصراعات الحزبية والمصالح الفئوية. إن ضعف الاستقرار السياسي بعد كل انتخابات يؤدي إلى تشتت السياسات المائية، وغياب الرؤية الاستراتيجية المستدامة. كما أن تغيّر الوزراء والمسؤولين بصورة متكررة يحول دون تنفيذ المشاريع طويلة الأمد، خصوصًا تلك المتعلقة بالسدود والخزانات وإعادة تأهيل البنى التحتية.
للانتخابات أيضًا تأثير مباشر على العلاقات المائية الإقليمية. فموقع العراق كدولة مصب يعتمد كليًا على حسن إدارته للعلاقات مع تركيا وإيران وسوريا، وهي دول المنابع الرئيسية. وعندما تشهد البلاد تغيّرًا حكوميًا أو ضعفًا في القرار الموحد، تضعف قدرة العراق على التفاوض وحماية حصصه المائية. لذلك، فإن تشكيلة الحكومة المقبلة وامتلاكها لسياسة خارجية متماسكة سيحددان إلى حد كبير مستقبل الأمن المائي الوطني.
ومن شأن نتائج الانتخابات أن تحدد التوجه الاقتصادي للدولة، وهو بدوره يرتبط بإدارة الموارد المائية. فالحكومات ذات الرؤية التنموية الشاملة تميل إلى الاستثمار في مشاريع الري الحديثة، وإعادة تأهيل شبكات المياه، ودعم الزراعة الذكية الموفّرة للمياه. في المقابل، فإن ضعف الخطط الاقتصادية أو غياب الإرادة السياسية يؤدي إلى استمرار الهدر وسوء الإدارة، وهو ما يزيد من تفاقم العجز المائي.
والانتخابات تتيح فرصة للقوى السياسية لتبني برامج بيئية واضحة تضع الأمن المائي ضمن أولوياتها الوطنية. فالموارد المائية لا تُدار فقط بقرارات فنية، بل تتطلب وعيًا مجتمعيًا وإصلاحات تشريعية وتشغيلية. ويمكن للبرلمان المقبل أن يلعب دورًا محوريًا في سنّ قوانين لحماية الأنهر، وتنظيم استخدام المياه الجوفية، وتشجيع إعادة التدوير والاستخدام المستدام.
لذا وبشكل أساسي يعتمد مستقبل المياه في العراق على مدى قدرة القوى السياسية المنتخبة على تجاوز الانقسامات الحزبية وتوحيد الرؤية الوطنية نحو إدارة متكاملة ومستدامة للمياه. ويتطلب ذلك
تأسيس مجلس وطني للأمن المائي (سلطة المياه) يرتبط برئاسة الوزراء مباشرة. وتعزيز الدبلوماسية المائية مع دول التشارك المائي. ودعم البحث العلمي والابتكار في مجالات إدارة الموارد المائية. مع إشراك المجتمع المدني والجامعات في صنع القرار المائي.
ولإنّ الانتخابات ليست مجرد حدث سياسي، بل هي منعطف استراتيجي يمكن أن يحدد مصير موارد العراق المائية لعقود قادمة. فإذا ما أفرزت حكومة تمتلك رؤية علمية وإرادة وطنية قوية، فإن العراق قادر على تحويل تحدياته المائية إلى فرص للنهوض والاستدامة. أما إذا استمر النهج التقليدي في إدارة هذا الملف، فستبقى الأزمات تتكرر وتتعمق، ليبقى الماء ـ كما كان دائمًا ـ مرآةً صادقة لحالة الدولة ومؤشرًا على مستقبلها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى