الانتخابات… والتنافس على مقعد في مغارة علي بابا


كأننا على موعدٍ موسمي مع الوهم…
كل أربع سنوات تُفتح أبواب “المغارة”، ويدخلها الطامعون واحدًا تلو الآخر، يتزاحمون على المقاعد كمن يتزاحم على الغنيمة، لا على خدمة وطنٍ مثخنٍ بالجراح. هناك، في عمق هذه المغارة، تُدار الصفقات، وتُنسج الخيوط، وتُباع الكرامات بأثمانٍ بخسة.
الانتخابات في العراق لم تعد نزالًا فكريًا بين برامج، بل سباقًا محمومًا نحو المقعد الذهبي، حيث الامتيازات تُغري، والحصانة تحمي، والمغانم تُسكِت الضمائر. المرشح اليوم لا يخاطب عقل الناخب، بل جيبه. يوزّع المال والوعود كما يوزَّع الخبز على الجياع، ويعرف أن الجوع كفيلٌ بإسكات الوعي، وأن الحاجة أقوى من المبادئ.
بعضهم يدخل من باب العشيرة، شيخًا أو ابن شيخ، يبيع الولاء مقابل الأصوات، ويحوّل الانتخابات إلى موسمٍ من الطاعة القبلية، وكأن الوطن قطعة أرضٍ تُورَّث مع لقب الشيخ.
آخرون يشترون ذمم الناخبين بمالٍ فاسد، ويشترون سكوت الدولة بمناصب بعد الفوز.
أما الوطنيون الحقيقيون، أولئك الذين يتحدثون عن خور عبد الله، وعن أرضٍ تُباع تحت اسم الاستثمار، وعن مياهٍ تجفّ في عروق دجلة والفرات… فهم قلة، غرباء في وطنٍ لم يعد يسمع إلا ضجيج الفاسدين.
ولنسأل بصدقٍ مؤلم:
ماذا قدّم البرلمان الحالي للعراقيين؟
هل أنصف الموظفين بسلمٍ عادلٍ للرواتب؟
هل أقرّ الموازنة في وقتها؟
هل كشف وجهًا واحدًا من وجوه الفساد؟
الجواب: لم يفعل شيئًا من ذلك.
لكنه فعل ما هو أدهى.
أطلق سراح أكبر سارق في تاريخ البلاد – نور زهير – وكافأه بترشيحة قريبٍ من رئاسة الحكومة وكافئة بعقد السكك الحديدية لاربعين عاما قادمه ، كأن السرقة صارت وسامًا وطنيًا.
وأطلق أيضًا سراح مجرمي “سبايكر”، الذين ذبحوا أكثر من أحد عشر ألف شابٍ عراقي في مجزرةٍ باردةٍ يندى لها جبين التاريخ، ثم عاد ليشرّع لنفسه الامتيازات والرواتب والمخصصات وقطع الأراضي والسيارات الفارهة… وكأن البرلمان وُجد ليحيا النواب، لا ليحيا الشعب.
أي مفارقةٍ هذه؟
أي عبثٍ بالدولة والضمير؟
برلمانٌ يصمّ آذانه عن وجع الناس، ويفتح خزائن الوطن لطبقةٍ أكلت الأخضر واليابس، ثم تعود لتطلب أصواتنا باسم الوطنية!
لقد تحولت الديمقراطية في العراق إلى مسرحٍ ساخر، أبطاله حفنة من الممثلين الرديئين، يبدّلون الأقنعة كل دورة وينتقلون من حزب الى حزب اخر حسب المصالح والاغراءات والمناصب ، لكن الوجوه نفسها، والنتائج نفسها، والفقر نفسه.
يبقى المواطن هو الخاسر الوحيد، يتأمل الصناديق التي يملؤها بيده، ثم يكتشف أنه لم ينتخب وطنًا، بل سلّم مفاتيحه من جديد لعلي بابا ورفاقه الأربعين.
ولأن الأوطان لا تموت دفعةً واحدة، بل تُذبح على مراحل، ما زال العراق يصرخ، وما زال بعضنا – القلة – يكتب لا لليأس، بل كي لا نصبح شركاء في الصمت.
يا أيها الناخب العراقي،
إياك أن تبيع صوتك بثمنٍ بخس، فصوتك ليس ورقة في صندوق، بل هو مستقبل وطنٍ بأكمله.
لا تصوّت لابن عشيرتك لأنه ابنها، ولا لشيخك لأنه شيخك، ولا لمن يشتريك بمالٍ فاسدٍ سيُستردّ أضعافه من قوت أولادك.
صوّت لوطنك، لا لجائعٍ إلى السلطة.
صوّت لمن يخاف الله والناس معًا، لا لمن يخاف خسارة المقعد فقط.
واعلم أن كل نائبٍ تصعده بيدك، سيجلس على أكتافك، وأن البرلمان الذي نرسمه اليوم بأصواتنا، هو الذي سيقرر غدنا، كرامتنا، ومصير أجيالنا. وتجنب انتخاب السارق والمجرم والارهابي والمتاجر بالدين ولكن حافظ على دينك بموازات حفاظك على وطنك لان الدين اهل الخير والمبادئ اسس الفضيله ..
الوطن لا يُستعاد بالشعارات، بل بالوعي.
ولا تُبنى الدولة بالصمت، بل بالصوت الصادق الذي يرفض أن يكون شاهد زورٍ على سرقة العراق مرةً أخرى.
حسن درباش العامري
كاتب وخبير سياسي






