وداعاً لـ (طبيب الإنسانية).. في رثاء الدكتور حميد مهدي صالح الربيعي..


د. علاء صابر الموسوي
في زمنٍ تزداد فيه سرعة الحياة وضغوطها ، يبقى لبعض القلوب نبضٌ مختلف، نبضٌ لا يقيس النجاح بالمال والشهرة ، بل بكم الألم الذي خففه وعدد القلوب التي جبر كسرها. لقد غاب اليوم عن دنيانا قامةٌ طبية وإنسانية فريدة، هو الدكتور حميد مهدي صالح الربيعي ، الاستشاري الذي لم يكن مجرد طبيب ، بل كان مدرسة في العطاء والاحتواء.
اليد الشافية والروح الآسية
تشهد له الأوساط الطبية بكفاءة نادرة وعلم غزير. كان دقيقاً في تشخيصه، ماهراً في علاجه ، لكن ما ميزه حقاً هو ذلك التأثير النفسي العميق الذي كان يبثه في كل مريض . كان لقاءه لا يبدأ بوصفة طبية فحسب ، بل بجرعة من الأمل والسكينة . كان يدرك بفطرته أن نصف العلاج يكمن في إراحة روح المريض وطمأنته ، فكان أسلوبه بلسمًا يسبق الدواء. شهادات مرضاه لم تكن عن نجاح عملية بقدر ما كانت عن قلبٍ احتواهم في أشد لحظات ضعفهم.
الإنسان قبل الطبيب.. فلسفة العطاء النبيلة
كان الدكتور الربيعي يجسد مقولة (زكاة العلم بذله)، فقد سخّر حياته لـ (إسعاد وشفاء مرضاه) متجاوزاً كل الحواجز المادية . هذا الاستشاري المعروف اختار لنفسه طريقاً مختلفاً:
كشفيته الأقل أجراً ، كان يأخذ أقل الأجور رمزية، إيماناً منه بأن حق العلاج لا يجب أن يكون امتيازاً للأغنياء.
عيادته المفتوحة للجميع .. كانت عيادته ملاذاً مجانياً للعوائل المتعففة ، الأيتام، والمشمولين بالرعاية الاجتماعية ، يداوي أجسادهم ويحفظ كرامتهم بصمتٍ نبيل.
سند للمجتمع ورائد للخير
لم يقتصر دوره الإنساني على عيادته . كان صوته حاضراً وفعله سبّاقاً في دعم العمل المدني والإغاثي. كان يستجيب لكل نداء من منظمة مدنية أو مبادرة خيرية ، ليقوم بعمليات وإجراءات طبية تهدف إلى تسهيل وضع المريض وتخفيف العبء عن كاهله، مؤمناً بأن مسؤولية الطبيب تتجاوز جدران المستشفى إلى خندق خدمة المجتمع. لقد كان يرى في كل مريض أخاً، وفي كل منظمة مدنية شريكاً في حمل همّ الناس.
جذور العلم والإصلاح ..
ينتمي الدكتور حميد مهدي صالح الربيعي إلى عائلة دينية وعلمية معروفة ، كان لها حضور مؤثر في محيطها الاجتماعي . هذا الانتماء شكّل عمقاً روحياً وأخلاقياً لفلسفته في الحياة والمهنة. لقد ورث عن عائلته ليس العلم فحسب ، بل (قيمة المسؤولية) تجاه الناس والوطن ، فكان مثالاً حياً يزاوج بين الرصانة العلمية والنبل الأخلاقي.
لقد رحل عنا الجسد ، لكن ستبقى سيرة الدكتور حميد مهدي صالح مهدي الربيعي منارة تُضيء للأجيال القادمة أن الطب إنسانية قبل أن يكون مهنة ، وعطاء قبل أن يكون كسباً . طوبى لمن ترك إرثاً لا يُقاس بمال ، بل بدمعة مسحت ، وبسمة أُعيدت لوجه مريض.
رحمه الله وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان . إنّا لله وإنّا إليه راجعون.





