التابو في رواية (ندوبٌ على خدِّ العذراء) للكاتب إبراهيم رسول

التابو في رواية (ندوبٌ على خدِّ العذراء) للكاتب إبراهيم رسول
الناقدة
حنان رحيم علي
هذه الرواية يمكن تسميتها رحلة البحث عن الذات، فهي تطرح تساؤلات فكرية ميتافيزيقية بلغة سلسة تناسب جميع الفئات الاجتماعية.
-صورة الغلاف: هي لوحة للفنان “حسين علوان الزيدي” وهي تحمل طابعًا رمزيًا لا يخلو من تأويلات كثيرة تبعًا لثقافة المتلقي، وما رأيناه بهذه اللوحة هو صورة لفتاة تنظر للبعيد بعين ملؤها الكبرياء والشموخ والتمرد مع انعقاد الحاجبين وهذا يُشير إلى عدم الرضا، مع ملاحظة أن هذه الفتاة لا ترتدي الحجاب بصورته الكاملة المتعارف عليها، مما يعطي انطباعًا ثقافيًا مخالفًا لما في اللوحة من شخصيات؛ فالشخصيات الأخرى ترتدي الزي الجنوبي بكامل هيئته وحشمته مع انهماك إحدى النساء بعملٍ لا يخلو من الوهلة الأولى إلى عمل النساء الجنوبيات، مع صورة لرجل يرتدي الزي الجنوبي.
والفكرة التي ولّدتها هذه اللوحة توحي بالفرق بين الالتزام والانفتاح، بين التراث والعادات والتقاليد وحداثة العصر .
-العنوان:
كما هو معهود للكاتب إبراهيم رسول في اختياره للعنوان؛ فهذه الرواية لا تقل أهمية في جذب انتباه القارئ لعنوانها، فهو يحمل من البلاغة الشيء الكثير لاسيما وهو يحمل قدسية المكان.
فأول ما يتبادر إلى ذهن القارئ أو المتلقي أن العنوان مختص بفتاة لا أكثر، ولكن بعد الولوج في عالم الرواية وتفكيك العنوان ورمزيته نجده يقتصر على اسم من اسماء مدينة النجف الأشرف سابقًا، مع إضافة هذا الوصف لشخصية من شخوص الرواية.
وهذه الشخصية هي المهيمنة والشخصية الرئيسة والمرتكزة في الرواية، حيث جعل الكاتب من بطل الرواية زير نساء ينتقل من واحدة إلى أخرى إلى أن يطيب به المقام عند هذه الشخصية وهذا ما كان يسعى إليه منذ بداية حياته وهو في مقتبل العمر ومرحلة المراهقة، المرحلة التي تكاد لا تخلو من تخبط وطيش الشباب، فهو يبحث عن ذاته في رحلة الحياة ودواماتها رافضًا ما يملى عليه وهذا ما ذكره الكاتب في بداية الإهداء” إلى الذين يتلذذون بالقلق ويعيشون فيه، الذين يرفضون القناعات الجاهزة المعلبة غير العقلانية”.
ويكسر الكاتب قيد السرد، بوصفه الخارجي لشخصياته مثل (ميامين، ميادة، نور، شيماء، نسرين…) وهو وصف لا يخلو من شبقية الرجل، واذا به ينتقل إلى وصف العمق متمثلًا بشخصية بطلته “حنان” إذ نجد أن هذه الشخصية تخلو من الوصف الظاهر إلا في بعض المواضع وجاء على نحو خجول، فقد ركز الراوي “أسامة” بوصف ثقافتها العقلية ووسامتها الروحية، فاعطاها ما لم يعطه لغيرها، فنجدها تنماز بروح التقبل والاختلاف وتسمو بصفات الإنسانية كما ينبغي لها أن تكون” هي إنسانة واعية، لم أجد فيها التعصب الذي أجده عند رجال الدين ولم أجد عندها سخرية العلمانيين، هي تقف في منطقة وسطى تحترم للآخرين الآراء البشرية التي يخلصون إليها ” الرواية :(ص ١٨٤)، وهذا ما جعل من أسامة تلك الشخصية غير المستقرة التي لا تعرف القرار، فجعلت منه شخصًا أكثر اتزانًا واتقادًا للفكر، بعدما تأرجح بين المتدين والملحد، وأخذ فكره يجول في الفضاء، وهذه إشارة مهمة تعيد بناء التصورات الميثولوجية حول قضية المرأة، ومنها استقرار آدم بجوار حواء.
ظهرت شخصية حنان لتنقذ أسامة من ضياعه، تلك المرأة التي لا يقبلها المجتمع لكونها امرأة متزوجة، فكيف لها أن تعيش قصة حب وهي امرأة غير حرة!!..
هذه الشخصية التي تظهر في شكلها الاجتماعي على أنها شخصية شاذة، إلا إنها وبرغم الخيال السردي، تناقش واقعًا اجتماعيًا معاصرًا لاسيما في ظل التكنولوجيا وعصر الإنترنت، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي متاحة لدى الجميع.
وقد نسب الكاتب بطلته لمدينة بابل، تلك المدينة الحضارية دون مدينة النجف لكونها
مدينة منغلقة على ذاتها، الملتزمة بعاداتها وتقاليدها.
وهذه هي رحلة البحث عن الذات التي أشار إليها الكاتب في بداية الإهداء ” إلى الذين يبحثون عنهم في آخر يشبههم، فيجدونه في أمكنة وأزمنة أخرى “.
يمكن القول أنها رواية اجتماعية معاصرة فيها الكثير من القضايا الفكرية والثقافية وهي غنية بمصادر ومراجع مهمة وأصيلة تنفع لكل طالب علمٍ وباحث فكرٍ، حيث فصّل الكاتب القول في كل قضية واسندها بمصدر مهم لكتاب مشهورين من العرب والغرب، كلٍّ حسب حاجته.
وهي رواية اجتماعية ناقشت ونقدت ظواهر لا تقتصر على مدينة بعينها بل العالم أجمع.
إلا أنه ركز على مدينة النجف الأشرف لكونها الأصل في قضايا الدين ولأنها مدينة التشيع فاراد انقاذ ما يمكن انقاذه لكونها أصيبت “بالندوب” التي يمكن معالجتها.
فنجد تساؤلات فلسفية ومنطقية تتصل بالوجود وطبيعة الإله والإمامة، والبشر، وكيفية وصول الإنسان إلى المراتب العليا.





