قمة شرم الشيخ: سلام سياسي أم تطبيع مموه

سعد محمد الكعبي
انطلقت اليوم أعمال القمة الدولية في مدينة شرم الشيخ المصرية تحت عنوان قمة شرم الشيخ للسلام بمشاركة أكثر من عشرين زعيمًا ورئيس وفد في محاولة لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وبحث سبل إعادة إعمار القطاع ومناقشة شكل الإدارة المستقبلية للمرحلة الانتقالية, ويتولى قيادة القمة كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسط تغطية إعلامية واسعة وتوقعات متباينة بشأن ما يمكن أن تحققه هذه القمة المعقدة.
الظرف السياسي الذي تُعقد فيه القمة ليس اعتياديًا فالمنطقة ترزح تحت وطأة حرب مدمرة استمرت لأكثر من عامين بين إسرائيل وحركة حماس خلّفت آلاف الضحايا ودمّرت أجزاء واسعة من البنية التحتية في غزة واللافت أن طرفي النزاع الأساسيين إسرائيل وحماس يغيبان فعليًا عن طاولة الحوار, فبينما أعلنت إسرائيل أن رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لن يحضر بسبب موعد ديني كانت مصادر مصرية قد أكدت سابقًا مشاركته ما يعكس حالة من التردد الإسرائيلي قد تعود لأسباب داخلية أو خشية من مواقف الحلفاء الدوليين أما حماس فلم تُوجَّه إليها دعوة رسمية ويُترك تمثيلها لوسطاء مثل قطر ومصر.
المقترحات المطروحة داخل القاعات المغلقة متعددة من بينها تشكيل إدارة مؤقتة محايدة في غزة تكون تكنوقراطية غير حزبية وتخضع لإشراف دولي كما يُناقش نشر قوة لحفظ السلام وفتح المعابر بشكل منظم والبدء في خطة ضخمة لإعادة الإعمار بتمويل دولي يُقدّر بمليارات الدولارات مقابل صياغة إطار أمني جديد قد يشمل نزع سلاح بعض الفصائل أو دمج قوى الأمن في منظومة موحدة وهو ما قد يثير حساسيات داخلية.
لم يتردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه انتقادات صريحة إلى بعض الدول الغنية المشاركة مؤكدًا أن السلام في غزة لا يمكن تمويله فقط من خزينة واشنطن بل يجب أن تتحمّل الدول الثرية في المنطقة مسؤوليتها المادية والسياسية وقال ترامب بأسلوبه المعروف إن على هذه الدول أن تدفع إذا كانت تريد السلام معتبرًا أن مرحلة الخطابات قد انتهت وأن ما يحتاجه الفلسطينيون الآن هو التزامات فعلية لا وعود شفوية وقد أثارت هذه التصريحات استياءًا مكتومًا في بعض الأوساط لكنها في المقابل وجدت صدىً إيجابيًا لدى من يطالبون بتوزيع أكثر عدالة لأعباء الإعمار.
وفي مشهد جانبي لكنه لافت, ظهر رئيس الوزراء السوداني خلال الجلسة الافتتاحية واضعًا سماعة الترجمة على رأسه طيلة الوقت في إشارة إلى عدم إلمامه باللغة الإنجليزية الأمر الذي أشار إليه بعض الحاضرين على أنه يعكس التحديات اللغوية والدبلوماسية التي قد تواجه بعض الوفود المشاركة في تفاعلها مع الطروحات الغربية في مثل هذه المحافل الدولية.
إلى جانب النقاشات الرسمية ظهرت أصوات معارضة للقمة من خارج الأطر السياسية خصوصًا في الأوساط الشعبية والدينية فقد عبّر التيار الصدري في العراق بقيادة مقتدى الصدر عن قلقه من أن تكون هذه القمة واجهة جديدة للتطبيع مع إسرائيل وفي بيان رسمي اعتبر الصدر أن التسويات التي تُبرم تحت غطاء إعادة الإعمار ما هي إلا محاولات ناعمة لفرض واقع سياسي جديد يُشرعن الاحتلال داعيًا الجماهير العربية إلى اليقظة ورفض ما وصفه بالسلام المخادع وقد ترافقت هذه التحذيرات مع موجة رفض شعبي على مواقع التواصل الاجتماعي حيث وصف كثير من النشطاء القمة بأنها بوابة جديدة للتطبيع تُقايض الحقوق الفلسطينية بالإعمار وتُبيّض وجه الاحتلال على حساب معاناة غزة
في ظل هذه التعقيدات تبدو قمة شرم الشيخ عند مفترق طرق فإما أن تفتح بابًا جديًا نحو مرحلة جديدة من الهدوء والبناء أو تتحوّل إلى محطة سياسية أخرى تُضاف إلى أرشيف المؤتمرات التي لم تغيّر شيئًا على الأرض والمؤكد أن غياب الأطراف الفاعلة عن الطاولة والتناقض في المواقف وتشابك المصالح الدولية يجعل من الصعب تصور نتائج حاسمة في الأفق القريب
ورغم ما يُقال عن النجاح الدبلوماسي المصري في جمع هذا العدد من القادة فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الحاضرين بل في قدرتهم على التوصل إلى حل قابل للتنفيذ لا يُكرّس الاحتلال ولا يختزل حقوق الفلسطينيين في مشاريع إعمار تحت السيطرة وبين من يرى في القمة بارقة أمل ومن يعتبرها مجرد ورقة تين لتغطية العجز السياسي العربي يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة هل السلام ممكن في ظل غياب العدالة




