آخر الأخبار
ألثقافة والفن

ما قبل مهرجان الربيع الثالث “ليلى البهادلي سيدة القصب ورائحة الجنوب التي تفوح بين عذوبة الشعر وانغام البردي”

 

سمير السعد

في قلب الجنوب العراقي، بين أهوار ميسان وبساتين العمارة التي تزهو بالنخيل والماء، ولدت شاعرة ملأت كلماتها الحزينة أفق الوطن وأثرت وجدان الناس. إنها ليلى صالح جاسم البهادلي، المعروفة باسم “نخلة ميسان الشامخة”، شاعرة شكلت تجربتها علامة فارقة في الشعر الشعبي العراقي.
وُلدت ليلى عام 1950 في حي السراي بمحافظة ميسان، وترعرعت في أحضان الجنوب الذي منحها الإلهام الشعري العميق. تأثرت بكلمات والدها وموروث العشائر الميسانية التي اشتهرت بالفراضة، ونشأت وسط أجواء وطنية واجتماعية صقلت موهبتها. منذ نعومة أظفارها، برزت موهبتها الشعرية، ووجدت فيها متنفسًا للتعبير عن أحزانها وأفراحها كانت من أوائل العراقيات اللواتي ذهبن إلى ساحات القتال لنقل المواد الغذائية للجنود والمقاتلين. وقد تعرضت للإصابة في تلك المهام وأجرت أربع عمليات كبرى، ورقدت في الفراش لمدة سنتين، لكنها عادت بعد ذلك لتكمل مسيرتها بروح لا تقهر.

“تقول ليلى .. ”
” كتبت الشعر بشكل تلقائي… موهبتي ليست
مبالغة ولا تكبر، لكن الكل يعرفني. لم أقلد أحدًا، ولم أقبل أن يغير أحد مفرداتي، لكنني أتقبل النقد من رواد الشعر والمثقفين”.

كانت البدايات في مدرسة الفاطمية الابتدائية، حيث حفظت النشيد الوطني وألقت الأبيات بإحساس قوي. في مرحلة المتوسطة، اكتشف موهبتها أستاذ اللغة العربية عبد الحميد البصير، الذي وجهها إلى اتحاد الشعراء الشعبيين. ومنذ ذلك الحين، انطلقت ليلى في رحلتها الشعرية، لتصبح صوتًا مميزًا يعبر عن آمال الناس وآلامهم.

إذا عندك شماته اسحكهم برجليك
وظل امشي عليهم حيل وتبختر
الزعلوا والمزعلوا خلهم يولون
ويطبهم مرض وفوك المرض وأكثر

هذه الكلمات تجسد روحها الصامدة والقوية، التي لم تنحنِ أمام الصعوبات، بل جعلت من التحديات منصة للارتقاء.

لم تكن البهادلي مجرد شاعرة تصدح بحب الجنوب، بل كانت أيضًا رمزًا للمرأة العراقية الصامدة. زوجة معاون القضاء إبراهيم محمد، وأم لتسعة أبناء أكملوا تعليمهم الجامعي، فقدت اثنين منهم شهداء في الانتفاضة الشعبانية، لكنها استمرت في العطاء.

في قصائدها، جمعت بين الحزن على فقد الأحبة والفخر بجذورها، كما في قولها:
أنا بنت الكصب والهور والمشحوف
أشم ريحة مسج من ريحة البردي
أنا الهور عندي يعادل إسطنبول
أنا بنت الجنوب الماخنت وعدي

شاركت ليلى البهادلي في عدة مؤتمرات دولية ومهرجانات وطنية، ممثلة العراق عمومًا وميسان خصوصًا. لم تكتفِ بالشعر، بل انخرطت في الأعمال الإنسانية والمجتمعية، لتكون أمًا لجميع الشعراء الشباب وأختًا لزملائها.

كانت ليلى تُعد الشاعر الكبير جاسم الشواي، والراحل سعد محمد الحسن، مثالًا يحتذى بهما، لكنها لم تقلد أحدًا. كانت كلماتها تنبع من أعماق قلبها، فتصل إلى القلوب دون استئذان. بكلماتها الوطنية والمواقف المشرفة، أصبحت صوتًا للناس، تصدح بالحق وتفضح الزيف.

بعض الأبيات التي تعكس فلسفتها في الحياة ..
الما صاعد نخل المن تشلبك فوق
من يطيح كل أعظامه تتكسر
الما عنده فلس حقه يتسودن هيچ
هسه يشوف روحه يسولف بدفتر

إن إرث ليلى البهادلي لا يقتصر على قصائدها، بل يشمل تأثيرها الكبير في الشعر الشعبي العراقي وفي قلوب من عرفوها. هي امرأة جنوبية أصيلة، حملت على عاتقها هموم الوطن وأوجاع الناس، وظلت شامخة كالنخلة التي لا تهزها الرياح.
شعرها هو مزيج من الكبرياء الجنوبي، والإصرار النسائي، والوطنية المتجذرة. كلماتها لم تكن مجرد أبيات، بل كانت صرخة حب للوطن، وحكايات مجد وصمود لأبناء الجنوب، تنبض بحكايات أهوار ميسان وأصوات أمواج المشحوف.
لم تكن شاعرة فقط، بل كانت أمًّا حقيقية للثقافة والإنسانية، تتلمس الألم وتزرع الأمل. إنها الشاعرة التي قالت يومًا ..

انه بت الكصب والهور والمشحوف
اشم ريحة مسج من ريحة البردي
وانه الهور عدي ايعادل اسطبيول
انه بت العمارة الماخنت وعدي
انه بيرغ عراضه وشايله شراع
جانت هور بردي وحط ابوجدي

هذه الصورة الشعرية تنقل إلينا إحساسًا عميقًا بالعزة والفخر بتراث الجنوب، وتُظهر كيف استطاعت ليلى أن تمزج في قصائدها بين الحنين للهوية، والتمسك بالقيم، وبين حب الأرض وروح المقاومة.

كانت ومازالت ام خليل تُلهم الأجيال الجديدة من الشعراء بقولها إن الإبداع ينبع من الذات الصادقة، وإن الشعر لا يحتاج إلى تقليد بل إلى تفرد وشجاعة في التعبير. وفي الوقت الذي احتضنت فيه الشعراء الشباب، ظلت أيضًا صوتًا ناقدًا وموجهًا لهم، إيمانًا منها بأن الثقافة لا تزدهر إلا بالمثابرة والصدق مع النفس والمجتمع.
وهكذا ستبقى ليلى البهادلي، نخلة ميسان الشامخة، حية في قلوب العراقيين، وفي كل بيت عراقي يتردد فيه صدى كلماتها الخالدة. إنها صوت المرأة الجنوبية التي صارعت الحياة بكرامة، وكتبت الشعر بصدق، وأحبّت العراق كما تحب الأم أبناءها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى