بين قرآنٍ نقرؤه وواقعٍ نركع له نترك كل قيمنا لنطبع…

بين قرآنٍ نقرؤه وواقعٍ نركع له
نترك كل قيمنا لنطبع…
بقلم: حسن درباش العامري
مؤلمٌ ما نراه من تطوراتٍ متسارعة في الأحداث، ومؤلمٌ أكثر هذا التباعد الفادح بين كلام الله الذي نقرؤه في القرآن الكريم صباح مساء، وبين واقعٍ نعيشه خاليًا من معانيه. نردد آيات العزة والكرامة، ثم نمارس الخضوع والانكسار، كأن القرآن يُتلى للتبرك لا للهداية، وكأن الوعد الإلهي مشروط برضا الأعداء لا بالثبات على الحق.
أن نسمع او نقرأ اليوم أصواتًا عراقية تتحدث عن «إمكانية التطبيع» باسم السلام في المنطقة، وتحت تهديدات أمريكا وإسرائيل، فذلك لا يمثل مجرد انحراف سياسي عابر، بل سقوطًا أخلاقيًا وفكريًا عميقًا، قبل أن يكون خضوعًا سياديًا. سلامٌ يُطرح تحت التهديد لا يمكن أن يكون سلامًا، بل استسلامًا مؤجلًا بثوبٍ ناعم.
فبدل أن يُرغم جهادهم الأعداء على التراجع، إذا بفسادهم وحبهم للسلامة الشخصية يركعهم بلا قتال، ويجعلهم يبحثون عن النجاة الفردية ولو على حساب الكرامة الجماعية. هكذا تُهزم الأوطان من الداخل، لا حين تضعف قوتها، بل حين يضعف ضمير من يدّعون قيادتها.
أما كان لهم أن يتعلموا من تجارب الشعوب؟ من فيتنام التي واجهت أعظم آلة حرب في القرن الماضي، وانتزعت استقلالها بالإرادة والصبر؟ أم كان الأجدر بهم أن يتخذوا من رسولهم ﷺ أُسوةً حسنة، حين نصره الله بعد استضعاف، ورفعه بعد حصار، لأن الحق لا يُهزم وإن طال الطريق، ولأن العاقبة لم تكن يومًا للمتخاذلين.
إن السلام الذي يُفرض تحت التهديد ليس سلامًا، والكرامة التي تُساوَم لا تعود. وما بين قرآنٍ نقرؤه، وواقعٍ نركع له، مسافةٌ مؤلمة لا تُختصر بالشعارات، بل بالعودة الصادقة إلى معنى الإيمان، ومعنى الموقف، ومعنى أن يكون الإنسان حرًا… حتى وهو محاصر.




