كرسي ينتظر صاحبه

كرسي ينتظر صاحبه
كتب رياض الفرطوسي
في كل دورة انتخابية، يعود العراق إلى تلك الحيرة القديمة: من سيجلس على الكرسي الذهبي، ومن سيوضع عليه؟ فالمقعد الذي يفترض أن يكون مركز الثقل في الدولة، تحوّل، عبر السنين، إلى مساحة يتقاطع فوقها النفوذ، وتتصادم حولها الإرادات، حتى صار العراقي يتساءل: هل نحن أمام منصب قادر على حماية هيبة الدولة، أم أمام وظيفة يُطلب من شاغلها أن يقرأ ما يُكتب له وأن يبرر ما يُملى عليه؟
المشهد السياسي بعد الانتخابات الأخيرة بدا كأنه إعادة بث لشريط طويل اعتدناه: صفقات معلنة وأخرى مستترة، تفاهمات تولد ثم تتبخر، وحوارات تُدار بوجوه مبتسمة بينما يتبادل أصحابها الطعنات في الكواليس. ومع ذلك، يخرج الأمر دائماً بنتيجة واحدة: مقاعد كثيرة… ولا أحد يملك مفاتيح القرار وحده. كل الطرق تؤدي إلى “التوافق”، تلك الكلمة التي حفظها العراقيون عن ظهر قلب، وكأنها قدر مكتوب على أبواب السلطان.
التجارب السابقة تكشف بوضوح أن أصوات الناس، مهما ارتفعت، لا تكفي لتحديد من يجلس على الكرسي. فالرجل الذي يفوز لا يحكم بالضرورة، والرجل الذي يخسر لا يغادر المشهد دائماً، أما القرار النهائي فغالباً ما يتشكل في خارطة أكبر من حدود البلاد، تمتد خيوطها اقليمياً ودولياً، وصولاً إلى اللاعب الأهم: موازين اللحظة وسياق المنطقة.
وعلى الرغم من ذلك، يبقى الناس متمسكين بأمل بسيط: أن يكون القادم هذه المرة مختلفاً، أن يأتي رجل يمتلك قدرة التأثير لا مجرد صلاحية التوقيع، رجلًا يضع الدولة في موقعها الطبيعي، لا أن ينتظر من يحدد له مسار خطواته. فالشارع العراقي، الذي ذاق مرارات الصراع وسنوات الانسداد السياسي، لم يعد يبحث عن بطل أسطوري، بل عن رئيس وزراء يعرف كيف يحمي هيبة القرار، ويعيد للمؤسسات وزنها، ويقف بصلابة أمام من يمد يده أكثر مما يجب.
لكن الطريق ليس سهلاً. التعطيل السياسي مرشح لأن يطول، والصراع بين القوى الداخلية ما زال يتنفس بعمق، والتأثيرات الخارجية تتربص بكل خطوة. وبين هذه العوامل كلها، يتقدم السؤال الحاسم كأنه حكم الساحة: هل نحن على أعتاب إعادة إنتاج النظام نفسه بكل عيوبه، أم أن الظرف الإقليمي المضطرب سيفرض تغييراً ما، ربما رغماً عن الجميع؟
الكرسي الذهبي في العراق لم يعد مجرد مقعد: صار مرآة تكشف أزمة الحكم وأزمة الدولة وأزمة المعنى ذاته. من يجلس عليه لا يملك وحده رفاهية القوة، ومن يتركه لا يخسر كل شيء. وبين الاثنتين يقف المواطن، متعباً، قلقاً، يراقب ما يحدث وكأنه يشاهد مسرحية طويلة لا تتغير شخوصها إلا بملابس جديدة.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً ، لا بوصفه رفاهية، بل باعتباره ضرورة للعيش. يبقى حلم العراقي البسيط أن ينهض صباحاً ليجد سياسياً يليق بمكان هذا البلد، رجلاً يفكر بعقل الدولة لا بعقل الحزب، ويجلس على الكرسي لا بوصفه إرثاً ثميناً، بل بوصفه مسؤولية ثقيلة تحتاج إلى كتفين صلبين، وإلى قلب لا يخاف ولا يتلون.
وهكذا، يظل الكرسي الذهبي مُضاءً في قصر الحكم، ينتظر صاحباً لا يُنصَّب من الخارج، ولا يُدجَّن في الداخل، ينتظر رجلًا يعرف أن القيادة ليست زينة ولا لقباً ولا صورة على جدار، بل فعلٌ يوميّ، وشجاعة، وقدرة على قول “لا” حين تكون “لا” هي الطريق الوحيد لرفع العراق من تحت الركام.
هذا هو السؤال، وهذه هي اللحظة. والبقية، كما يقول الشارع، رهنٌ بما سيقرره القادمون، وما سيسمح به القدر، وما سيفرضه غضب الناس وصبرهم الطويل.




