قراءة نقدية في لوحة (آزادي) أو نجاح الثورة الإسلامية | للفنان التشكيلي عماد نافع | منيرة الحاج يوسف

قراءة نقدية في لوحة (آزادي) أو نجاح الثورة الإسلامية | للفنان التشكيلي عماد نافع | منيرة الحاج يوسف
ناقدة | تونسية
بعنوان “من مرارة القهر الى يقين النصر”
تصدير:
يقول (بول كلي): “الفن لا يعيد إنتاج ما نراه؛ بل يجعلنا نرى”،
ويقول (اوجست رودان): “الفنان هو الذي يرى؛ بينما الآخرون يكتفون بالنظر”، أما (فان غوخ) فيقول: “أنا أرسم لا لكي أصور ما تراه عيناي؛ بل ما يشعر به قلبي”.
إذا ربطنا هذه المقولات لكبار الفنانين بالعنوان الذي اختاره النافع للوحته انتصار الثورة الإسلامية، سندرك حتما أن العمل الجمالي الذي نراه بأبصارنا فلا يعدو أن يكون تموجات غائمة، يعلوها معلم لا تخطئه العين، فهو نصب ساحة آزادي الإيرانية، قد استقر في بصيرة الفنان نصرا شامخا يطاول أجنحة الحرية، رغم أن الحرب لم تقل كلمتها الاخيرة بعد. والواضح أن الفنان يستلّ أدواته الفنية ويتسلح بمهارته ليعلن بطريقته حربه ضد صمت المبدع الذي لا يوظف فنه لخدمة قضايا الحق والمساواة. والخير والجمال.
فهل معنى ذلك أن اللوحة محاكاة للواقع ونقل فج لحيثياته؟.
علاقة اللوحة بالواقع:
إن اللوحة وإن كانت متضمنة لمعلم آزادي الواقعي تضمنا واعيا مدروسا فإنها في الحقيقة تجربة إبداعية جعلتها تقنياتها الفنية تجربة تشكيلية تجريدية تعبيرية ذات مساحة بصرية خشنة، وجريئة، وصادقة، برز فيها البرج كأنه منحوت من الضوء وسط الركام اللوني الذي يحيط به فتلتقط العين بيسر شموخ هذا الشكل الهندسي العتيد رغم طبيعة المحيط السائل الهادر ذي الصخب اللوني الداكن، الذي ترتكز عليه الزوايا مما يشي بالدفقة الشعورية القوية والعفوية للفنان، في تعامله مع المادة اللونية، التي اخرج منها شكل المعلم بهذا الوضوح، مما يعزز رمزية الصمود ويخدم فكرة النصر التي تشبع بها وآمن.
التقنيات والأدوات الجمالية: باستيل سحب سكين، يعتمد هذا الأسلوب على التعامل مع اللون ككتلة مادية لا مجرد مسحوق، لذلك يحتاج الفنان الى مجهود مهاري مضاعف، يبدأ بكشط اصابع الباستيل الزيتي وتحويلها الى عجينة لينة، ثم يمر الى الفرد والسحب، ويعمل على بناء طبقات سميكة، بسحب السكين مما يخلف زوايا حادة وتأثيرات ضوئية متباينة دون ان تختلط ببعضها البعض، بل تسمح بخلق نتوءات ملموسة تخدم تصوير الامواج المتجعدة المتلاطمة، والمياه المتدافعة وتعطي قوة تعبيرية عالية، لأن اللون يُضرب ضربا، فتقنية السكين حولت الباستيل الى سلاح فني لا يقل نجاعة عن الصواريخ البالستية التي يستخدمها الحرس الثوري لقنص أهدافه، حيث المسارات اللونية الحادة ليست مجرد زينة بل هي تمثيل بصري للطاقة الحركية العميقة والعنيفة وتتحول اللوحة من مساحة بصرية الى ملمس بصري لا ينقل الواقع نقلا فوتوغرافيا، بل يرصد الحالة الشعورية للفنان.
الخطوط والأشكال والألوان:
تعتمد اللوحة على التّكوين الدّائري فالبرج محاط بخطوط منحية حلزونية قويّة تخلق حركة لولبيّة ولا تقف قوائمالبرج على أرضية ثابتة مستقرة، مما يعطي الرائيَ، شعورا بعدم الارتياح وهو يرى حالة الاضطراب، ولكن عينه في المقابل تتركز على صمود المبنى الذي يصارع هذه الحركات الاندفاعية في لب المضيق بوقار وهيبة مما يضفي على العمل صبغة درامية.
إن ضربات السكين ليست مجرد تلوين بل حركات تعكسها حالة الفنان، فالخطوط الطويلة والمنحنية تكشف عن سرعة يد الفنان وقوة ضغطه على السطح فيتحول الإعصار الذي تشكّل فنيّا من مجرد فكرة الى لحظة واقعيّة يعيشها المشاهد إذ تبدو الألوان التي اختارها، والأشكال مثل الخطوط الحمراء والصفراء في الاسفل بمثابة شرارات ملونة قابلة للانفجار كأنها حقيقية
في دلالة الألوان:
اختار الفنان للبرج اللون الأبيض الذي يميل الى الصفرة مما يمنحه نورانية خاصة فهالته القدسية تجعله منيرا في ظلمة داجية هي ظلمة الخطوط المتموّجة القاتمة التي تحاصره مما يحيل على صراع بصري بين الوضوح (الابيض) الذي اختاره للمبنى وهو رمز لا للهوية والاصالة والتاريخ فحسب لكن ايضا للحق والثبات عليه، كأنه تلك الصرخة التي تعرفها الأرض وكل اتجاهاتها “هيهات منا الذلة” والعتمة (الأزرق الليلي والبنفسجي) ويمثلان أمواج المحيط، ومياه المضيق وما تعبّر عنه من غموض وقوة قهرية.
برج آزادي وصموده في وجه الطاغوت الصهيوأمريكي والانحياز الدولي للظلم:
يحول الفنان النافع برج آزادي الإيراني من مجرد معلم تاريخي جامد الى رمز للقوة والصمود من خلال اختيار الباستيل سحب سكين التقنية مناسبة لجعل اللوحة رسالة سوسيوسياسية ووجدانية في ذات الآن، تتلاطم فيها ضربات السكين بتلاطم الصواريخ البالستية المواجهة للقوى العسكرية الكاسحة.
فالخطوط وهي العنصر الابرز في اللوحة تقبل إسقاطات متنوعة ومنها كونها مضيق هرمز بما يمثله من اضطراب جيو سياسي فالخطوط المتداخلة هي ليست مجرد مياه بل تعبيرات عن الغليان بسبب الصراع والتوترات وهي خطوط تلتف على المعلم لحصاره بغية خنقه وهذا الضيق المكاني يكشف بدوره خصوصية هذا الممر المائي ذي الأهمية العالمية القصوى، كما يمكن إسقاط الخطوط المتموجة كتمثيل بصري لتدفق النفط والطاقة فهي خطوط ديناميكية توحي بالامدادات العالمية التي تعبر هذا الشريان وفي معمعان الحركة واللون ينتصب المعلم شاهقا كرمز لانتصار الكرامة متحديا كل الأمواج السياسية والاقتصادية، فهو صرخة صمود في قلب هذا المعبر المائي بدوامته الزرقاء الداكنة الحاملة لضغط العالم الجائر أماالخطوط الحمراء فهي دم الارض ورحمها الخصب المبشر بولادة جديدة قد يطول مخاضها لكن يقينا سيحين أوانها، مما يجعل هذا الممر رمز أمان وخطر في آن فمنه تبزغ الحياة وفيه تحفر مقابر الأعماق… فتتأجج فكرة الصراع الذي تكشفها الالوان المرتبطة بالأرض والسيادة.
اللوحة لا تصور المضيق جغرافيا بل تلتقط حركتة المتموجة باعتبارها روحه القلقة ابدا والتي ينفخ فيها الفنان من روحه كي يشعر المشاهد بالضغط من خلال حركة السكين…
الخلاصة:
لوحة آزادي معرض مكشوف لجور معسكر الظلم والاعتداء السافر على مقدرات الشعوب ومحاولة ابتلاع أرضها والاعتداء على مقدساتها وعرضها.




