ما كتبه الشاعر محمد أبو العزايم وحدث | د. أشرف الشحات

ما كتبه الشاعر محمد أبو العزايم وحدث | د. أشرف الشحات
شاعر وناقد | مصري

صدفة انتبهت لهذا النص على صفحة الشاعر محمد أبو العزايم بعد رحيله في قصيدته ما لم يعرِفهُ “السياب” وكأنما عرفه او تنبأ به جيدا محمد أبو العزايم.. إذ كانت القصيدة في تماس غريب ومربك مع النهاية التي جاءت مفاجئة وموجعة في آن واحد. وليست هذه قراءة نقدية ولا غيرها ولا يعنيني هذا ولكن فقط هي فعل حزنٍ قارئ يحاول أن يجد لغة تفسر الارتباك الحادث نتيجة لفكرة الغياب المفاجئ التي تستدرك على ما فات في محاولة لتفسير ما لا يمنطق كي تستطيع تقبله إذا صدر من فاعله الحقيقي وأعني هنا الشعور الطاغي من الشاعر الذي كان يستبطنه حال الكتابة محاولا الإمساك بشيء أفلت: كلمة لم تُقل، وداع لم يكتمل، إشارة لم تُفهم في وقتها. ولكننا نحاول ذلك الآن.
يقول الراحل محمد أبو العزايم:
((مطرٌ.. وينهمرُ البكاءْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ، وصمتي،
ليس إلَّا من قُطيراتِ الكلامِ تساقطَتْ:
“خلِّي
انتباهَكِ
للطريقِ،
مع
السلامةِ”.
(لم يكُن في وُسعِ أحرفيَ القليلةِ
أن تصوغَ “إلى اللقاء”)
مطرٌ يموتُ على زجاج نوافذي
وأنا تُذكِّرني الستائرُ كلَّ شيءٍ، والدفاترُ،
ليس مِن حبرٍ لديَّ، ولا رثاءْ
مطرٌ، وثلجٌ..
ثُمَّ أقلعَت السماءْ.
لم يكن محمد أبو العزايم إلا نصا حزينا جاء يبلغ الحياة وأهلها ما ينبغي لها وعليهم ثم لما أتم رسالته الأخيرة لم يكن من بد إلا أن ينعى نفسه إلينا حين قال آخر نزفه الروحي الذي كان إيذانا وبدءا وتحريضا على نزف تال يبدأ قريبا ولكن من داخله الذي أنهكه خارجه المكتظ كذبا ونفاقا:
(مطرٌ.. وينهمرُ البكاءْ)
يا الله.. حقا هو حادث ومطر وانهمر البكاء بعده وما بقي المطر يبقى البكاء.. وهل المطر إلا بكاء السماء، وهل البكاء إلا مطر العيون؟!
لن أسقط كثيرا في فخ الانشغال بالتركيب
بأن كلمة مطر جاءت مفردة مستقلة، أقرب إلى جملة اسمية ناقصة أو مبتدأ بلا خبر. ثم يأتي قطع الكلام بالنقاط (…) ليؤكد هذا التعليق، كأن المعنى لم يكتمل بعد، أو كأن الكلمة نفسها غير قادرة على حمل ما بعدها. لأن هذا الكلام يمكن الوصول إليه من قبل الجميع لكن الذي يعنيني من هذه الجملة العلاقة الطبيعية بينهما لان المطر هو الذي ينهمر .لكن الشاعر نقل الفعل للبكاء فصار البكاء ينهمر، بينما بقي المطر معلقًا، بلا فعل. هذا الانزياح خلق تبادلا ضمنيا بين الطرفين: فالمطر بكاء؛ والبكاء مطر، دون تصريح مباشر. وكأن العالم يبكي في الخارج، وذاته تبكي في الداخل.
ثم يقول:
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ.. مطرْ
مطرٌ، وصمتي،
المطر والصمت إنه المتوقع المقابل للمطر من قبل ابو العزايم فهو يعطف بكاء السماء على صمته الحادث حيالها ونتيجة لبكائها. فكأنما السماء تبكيه وصمته معا.. فالمطر يزداد والصمت يكبر فهي علاقة طردية بين متحرك فاعل له صوت وبين ساكن صامت ليس له من الفعل إلا معية المطر. كان تكرار كلمة المطر هنا شبه وشاية من الشاعر بأن هذا التساقط المتكرر ليس وراءه الا الصمت الأبدي الأخير.. فمأنما تستمع الى ايقاع موسيقي يرتفع يرتفع ويرتفع شارحا أنه الصوت المرتفع الأخير والضوضاء الاخيرة للحياة وكذلك للنبض وليس بعد ذلك سوى صمته. والصمت لا شك انه المرادف الحقيقي والموازي للموت هنا.
يقول أيضا
((ليس إلَّا من قُطيراتِ الكلامِ تساقطَتْ:
“خلِّي
انتباهَكِ
للطريقِ،
مع
السلامةِ”.
(لم يكُن في وُسعِ أحرفيَ القليلةِ
أن تصوغَ ” إلى اللقاء”))
لقد قالها أبو العزايم لنا مبكرا قال: <<مع السلامة>> فلم يكن بخيلا في الوداع بل كان كما عهدناه كريما في اللقاء بوجهه الباش ولسانه الخلوق وهدوئه المستل من صخب الذين حوله مدججين بضجيجهم الغاضب. فهو ينصح وان يعمد الى ذلك مضفرا الكلمة المتداولة من اليومي (خلي انتباهك للطريق) ثم يضع فاصلة وكأنما هي المكالمة الاخيرة حقا ويريد ان يسلم عليه قبل نفاد الوقت/ اللحظات. فهو ينبه ويسلم سريعا.
وانت كقارئ لا يمكنك ألا تبصره وتسمعه وانت تقرأ هذه الجملة وهو موجه حديثه ربما للسائق الذي معه بافتراض ضيق مساحة الخطاب بحيث يبدو هو المعني بالتنبيه او هي النصيحة الاخيرة لكل من قرأه او سمعه او عرفه او يهم الشاعر ان يسمعه.. يقول له
خلِّي
انتباهَكِ
للطريقِ،
مع
السلامةِ”.
أيضا يجعل ابو العزم الكلام قطيرات صغيرة قليلة تساقط كما المطر. وسقوط الكلمات يشبه سقوط الجسد، في إشارة إلى الفناء. وكأنما اللغة آخر دليل على الوجود القوي للانسان تتحول إلى شيء هشّ، عاجز عن التماسك، وكأنها انعكاس لحالته هو الداخلية.
الغريب ايضا انه حين يقول (لم يكُن في وُسع أحرفي القليلة أن تصوغ إلى اللقاء) أجد ان كلمة (السلامة) تحمل معنى الحماية والنجاة، لكنها لا تحمل وعدًا بالعودة. وهي ليست مجرد تحية، بل تبدو كإقرار بأن النهاية حتمية، وأن الحذر لا يغيّر القدر. بينما (إلى اللقاء) تفترض استمرار العلاقة. والعجز عن قول (إلى اللقاء) يكشف عن شعوره الداخلي بأن اللقاء لن يحدث، أو أن الغياب أقرب من العودة.
ثم يقول:
مطرٌ يموتُ على زجاج نوافذي
وأنا تُذكِّرني الستائرُ كلَّ شيءٍ، والدفاترُ،
ليس مِن حبرٍ لديَّ، ولا رثاءْ
مطرٌ، وثلجٌ..
ثُمَّ أقلعَت السماءْ.
ثم يبدأ الشاعر الدخول في حالة انسحاب داخلي، له وللنص وللمفردة في دلالتها ايضا، فنجد ان المطر يموت امام عينيه والستائر التي توشك أن تفصله عن الحياة تذكره سريعا بكل شيء فيها انها لحظات صحوة الموت التي تأتي بشريط الحياة كلها امام عينيه واهم ما فيها اختفاء الكلام انعدام القدرة عليه وعلى الكتابة، نفاد الحبر والعمر كذلك فحبر الشاعر عمره وكلاهما ينفدان معا.
وهكذا الشعر حين تصمت يكتبك صمتا لا يفرط في صوتك الذي انغمس فيه فتجد اللغة نفسها حتى وان لم تعد قادرة على حمل التجربة الا أنها تقولها ولو بالاعتذار. فكان اعتذاره عن صمته ليس كلمات تمر وانما كلمات عجلى تبرر انسحابه ان الادوات نزعت منه، وهو لا وقت لديه ولا ادوات ليكتب رثاءه. إذن القادم كما يراه هو ونقسم عليه نحن الان:
(مطر وثلج..
ثم أقلعت السماء)
المطر بسقوطه المتعدد الكثيف ثم الثلج
اول برودة الموت التي نحتاط بها للاجساد التي تتوفي في المستشفيات كي نحفظ لاجسادهم حقها في النضارة قبيل أن تغادرنا انه الحماية الاخيرة المدعاة للجسد بعذ ان يسقط السقوط الاخير ليس من الوقوف فقط ولكن من سطح الأرض لباطنها.
وهكذا كان جاء استشعار الشاعر الحدسي بالنهاية من خلال اللغة التي تتكثف فجأة في مفرداتها آخر النص: المطر، الطريق، الانتباه، الصمت، الوداع… فتبدو وكأنها تشير إلى ما سيأتي.
كان أبو العزايم يقول: مطر…
وكررها، كأنما كان يختبر صدى الغياب،
يمهد للسكوت الكبير، أو يدرب الأسماع على صدى اسمه الأخير.
وليس هذا قراءة لكلماته بأثر رجعي. ولكن ما حدث بعد القصيدة يجعلنا نعيد تأويلها، فنرى فيها نبوءة، بينما قد تكون—في لحظة كتابتها—تعبيرًا عن حالة شعورية عابرة: قلق، تأمل، إحساس بالهشاشة، أو حتى صفاء حزين.
ومع ذلك يوجد شيء لافت:
-التكرار الإلحاحي لكلمة مطر
وهو ما يمكن الاتكاء على تبينه في حادث الوفاة الخميس الماضي وكان يوما شديد المطر وكأنما الحياة ترسم ما كتبه بكلماته فهناك التحذير: <<خلي انتباهك للطريق>>
كانت النهاية في أغلبها على الطريق وكأنما يقول بلسان المحذر المدرك أنه لا حذر مع قدر ولكن كها حتمية التنبيه التي لا مفر منها شأن الموت نفسه. والطريق اخر المسافة.. آخر السفر.. آخر الرحلة.. آخر النهاية.
فالطريق هنا ليس مجرد طريق مادي، بل رمز لمسافة الحياة، للرحلة، وربما للمصير.
وكذلك الإحساس بأن الكلام نفسه (يتساقط)
والجسد نفسه يتساقط. فلم تكن هذه صورا عادية تمامًا، بل كانت تحمل توترًا خفيًا، كأن الشاعر كان واقفًا على حافة ما ولو دون أن يراها أو نراها بوضوح.
ولا يمكن أن نتطرف ونقول إنه كان يرثي نفسه بمعنى القصد الواعي، لكنه كان يكتب من منطقة داخلية قريبة جدًا من فكرة الفقد والنهاية، بحيث بدت القصيد بعد رحيله كأنها رثاء مسبق ولو انه قالها قبيل النهاية.
وهذا ما يمشير إلى انه كتب الحرف الاخير وكأنما قوته الحقيقية ليست في القول إنه تنبأ بل لأنه كان صادقا إلى الحد الذي جعل لغته تلامس ما سيحدث، دون أن تعرفه.
وهنا تحديدًا أجد الإحساس المربك أن الشعر أحيانًا لا يرى الغيب…لكنه يقترب منه أكثر مما ينبغي ودون أن يدري الشاعر ذاته.
مطرٌ، وثلجٌ..
ثُمَّ أقلعَت السماءْ.
وأقلعت شراعك من خضم هذه الحياة.. الآن أجد ان ارتباكك الخفيف في الكلام الاخير بيننا وأعني مكالمتك الهاتفية وصمتك الذي لم يكن صمتا عاديا بل كان امتلاء أخيرا بالحياة ولكن في صمتها الآمن من مطاردة المعاني.
فانت يا صديقي… لم تكن ترثي نفسك، بل كنتتكتبنا نحن نحن الذين سنقف بعدك نحاول أن نفهم ما كنت تريد قوله وفهمناه أخيرا جداااا.
نمْ هادئا يا شاعر فالمطر الذي ناديتَه طويلاً
سيكمل صوتك، والطريق الذي همستَ له
لم يأخذك وحدك…بل أخذت معك ذلك المعنى الذي تركتَه معلقًا بين قطرة أخيرةوسماء أقلعت على اسمك وأُغلِقَت على اسمك:
محمد أبو العزايم.. الذي قال ولكننا لم نعِ.




