آخر الأخبار
ألمقالات

هل تملك إيران حق الضربة الاستباقية: القانون للجميع ام امتياز للقوة ؟

 

✍🏻 إحسان الموسوي
مركز أبابيل الدولي للدراسات الاستراتيجية
18 يناير 2026

لم يعد الجدل الدائر حول الضربات الاستباقية مسألة قانون دولي بقدر ما اصبح اختبارا فاضحا لازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي فبينما تمنح اسرائيل حق ضرب اي دولة او جهة بذريعة تهديد امنها القومي يجري انكار الحق ذاته على دول اخرى تواجه تهديدات اشد وضوحا وتراكما وفي مقدمتها ايران

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وسع النظام الدولي الغربي تفسير مفهوم الدفاع عن النفس بصورة انتقائية وعلى مدى سنوات طويلة وسعت اسرائيل مفهوم التهديد الى حدود غير مسبوقة فلم تعد تنتظر هجوما فعليا بل تكتفي بتقدير نوايا او قدرات مستقبلية لتبرير عمليات عسكرية داخل اراضي دول ذات سيادة وقد جرى تسويق هذا السلوك غربيا باعتباره دفاعا عن النفس رغم غياب التفويض الدولي ورغم تعارضه الصريح مع مبادئ السيادة وعدم استخدام القوة

في المقابل تجد ايران نفسها محاطة بوجود عسكري امريكي كثيف من مختلف الجهات وتواجه تهديدات علنية ومتكررة من اعلى المستويات السياسية في واشنطن يواكبها تحريك اساطيل بحرية ونشر حاملات طائرات ورفع درجات الانذار واجراءات اخلاء في قواعد ومواقع قريبة من مسرح المواجهة هذه المؤشرات لا تقرأ في منطق الاستراتيجيات العسكرية كتحركات روتينية بل تعد مقدمات ضغط قسري او تحضير لعمل عسكري محتمل

وفق مفاهيم الامن القومي لا تقوم الدول بتقدير الخطر على اساس الضربة الاولى فقط بل على تلاقي النية والقدرة والاستعداد وعندما تتوافر هذه العناصر يتحول الوجود العسكري المعادي من حالة ردع الى منصات تهديد مباشر وبناء على هذا الفهم فان القواعد العسكرية الامريكية في المنطقة تمثل في الرؤية الايرانية مصادر خطر حقيقي لا سيما عندما تقترن بتهديدات سياسية معلنة وتحركات ميدانية غير اعتيادية

الميثاق الاممي في مادته ال 51 لا يميز بين دولة واخرى في حق الدفاع عن النفس غير ان التطبيق العملي لهذا النص ظل خاضعا لميزان القوة لا لروح القانون فالولايات المتحدة نفسها استخدمت مفهوم التهديد المحتمل لتبرير حروب وعمليات عسكرية خارج اراضيها كما دعمت السلوك الاسرائيلي ذاته تحت العنوان نفسه ومع ذلك يطلب من ايران الالتزام بتفسير ضيق للدفاع عن النفس لا يطبق على خصومها

ان منح اسرائيل حق الضربة الاستباقية بحجة الامن القومي يفرض منطقيا وقانونيا منح ايران الحق ذاته طالما ان التهديد قائم والادوات العسكرية ماثلة والمعايير واحدة والا فاننا امام نظام دولي انتقائي يحول القانون الى اداة سياسية بيد الاقوى ويجرد الدول الاخرى من ابسط حقوقها السيادية

ورغم ان ايران لم تلجأ حتى الان الى استخدام هذا الحق بشكل مباشر فان ذلك لا يعود الى غياب المسوغ القانوني او الاستراتيجي بل الى حسابات تتعلق بادارة الصراع وتجنب منح واشنطن فرصة بناء اجماع دولي لحرب شاملة هذا السلوك يعكس مقاربة عقلانية لا تنفي حقيقة ان الذريعة التي تستخدمها اسرائيل وتحظى بسببها بالحصانة نفسها متوافرة لايران وربما بشكل اوضح واكثر تراكما

في المحصلة لا يكمن جوهر المشكلة في السؤال عما اذا كانت ايران تملك الحق في استهداف الوجود العسكري الامريكي بل في من يملك سلطة الاعتراف بهذا الحق وفي عالم تحكمه القوة قبل القانون يبقى مفهوم الدفاع عن النفس امتيازا سياسيا لا مبدأ قانونيا عاما وهذا ما يضع مصداقية النظام الدولي برمته موضع تساؤل متزايد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى