آخر الأخبار
ألمقالات

بغداد وكردستان: نحو توازن سياسي مستدام

كتب رياض الفرطوسي
لطالما شكلت العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان ملفاً معقداً يختزل تداخلات سياسية واقتصادية وقومية، ما جعله واحداً من أكثر الملفات حساسية في المشهد العراقي. وعلى الرغم من المحاولات المستمرة لحلحلة الإشكالات بين الطرفين، فإن هذه العلاقة لم تخرج عن دائرة التجاذبات والتفاهمات المؤقتة. واليوم، تواجه حكومة محمد شياع السوداني تحدياً حقيقياً في كيفية إدارة هذا الملف الشائك، بحيث تحافظ على وحدة العراق وسيادته، وفي الوقت نفسه، تُحقق قدراً من التوازن الذي يضمن مصالح الجميع.

التحديات الأساسية في العلاقة بين بغداد وكردستان.

هناك عدد من القضايا العالقة بين بغداد وأربيل، لعل أبرزها ملف النفط والعائدات المالية، إذ يشكل تصدير النفط من الإقليم عبر تركيا محور خلاف رئيسي، حيث ترى بغداد أن تصدير النفط يجب أن يكون تحت إشراف الحكومة الاتحادية، بينما تصر حكومة الإقليم على حقها في التحكم بمواردها الطبيعية وفق تفسيرها الخاص للدستور العراقي. هذه الإشكالية المالية تنعكس بدورها على ملف الموازنة العامة، إذ تعتمد حكومة كردستان على تحويلات مالية من بغداد، والتي غالباً ما تكون محل نزاع نتيجة للخلافات السياسية.

إضافة إلى ذلك، تأتي مسألة المناطق المتنازع عليها، وأبرزها كركوك وسنجار، لتزيد من تعقيد المشهد. فهذه المناطق التي يقطنها مزيج إثني وديني متنوع تُعد نقطة خلاف دائمة بين الطرفين، حيث يسعى الإقليم لضمها إلى إدارته، في حين تصر بغداد على اعتبارها جزءاً من السلطة الاتحادية.

استراتيجية حكومة السوداني في إدارة العلاقة مع الإقليم.

منذ تولي محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة، بدا واضحاً أنه يعتمد نهجاً يقوم على الحوار والتوازن، في محاولة لاحتواء الخلافات دون السماح بتصعيدها إلى مستوى الأزمة. وتستند استراتيجيته في التعامل مع إقليم كردستان إلى عدة محاور أساسية:

1. تعزيز لغة الحوار والتفاهم المشترك.

يدرك السوداني أن الصدام المباشر لن يكون حلًا مستداماً، ولذلك فقد سعى إلى تبني منهج يقوم على التفاوض الدائم، بحيث تُعقد لقاءات مستمرة بين مسؤولي الحكومة الاتحادية والإقليم، لتقليل فجوة الخلافات وإيجاد أرضية تفاهم مشتركة.

2. تحقيق التوازن في ملف النفط والموازنة.

الحكومة الحالية تدرك أن حل قضية العائدات النفطية يتطلب تفاهمات تضمن عدم الإضرار بمصالح أي طرف. لذا، فإن السوداني يحاول إيجاد حلول وسط، من خلال اتفاقات تتيح للإقليم تصدير النفط ولكن ضمن أطر قانونية تخضع لرقابة الحكومة الاتحادية، ما يضمن عدم خروج الأمور عن السيطرة.

3. معالجة المناطق المتنازع عليها عبر حلول توافقية.

لم يعد ممكناً الاعتماد على الخطابات السياسية فقط لحل إشكالية المناطق المتنازع عليها، ولذا تحاول حكومة السوداني تبني حلول واقعية تشمل إجراءات إدارية وأمنية مشتركة تضمن استقرار هذه المناطق، ومنع تحولها إلى بؤرة صراع جديدة.

4. التوازن في العلاقة بين الإقليم والأطراف السياسية الأخرى.

يواجه السوداني ضغوطاً سياسية من قوى عراقية متعددة، بعضها يرى ضرورة التعامل بحزم مع الإقليم، فيما يدعو البعض الآخر إلى تقديم تنازلات للحفاظ على الاستقرار السياسي. ومن هنا، فإن رئيس الوزراء يسعى إلى تحقيق توازن بين هذه التوجهات المختلفة، بحيث يحافظ على وحدة العراق دون إثارة تصعيد سياسي داخلي.

5. الاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي.

لا يمكن إغفال أن العامل الإقليمي يلعب دوراً في طبيعة العلاقة بين بغداد وأربيل، حيث توجد دول فاعلة مثل تركيا وإيران والولايات المتحدة لديها مصالح مباشرة في هذا الملف. حكومة السوداني تحاول الاستفادة من هذه العوامل عبر بناء تفاهمات مع هذه الدول، بما يضمن عدم استخدام الخلاف بين بغداد وكردستان كورقة ضغط إقليمية.

الأبعاد التاريخية للعلاقة بين بغداد وكردستان.

إن العلاقة بين بغداد وكردستان ليست وليدة اليوم، بل تمتد جذورها إلى عقود من التجاذبات والتفاهمات التي شكلت جزءاً من المشهد السياسي العراقي منذ تأسيس الدولة الحديثة. فمنذ النظام الملكي مروراً بالعهد الجمهوري، عانت العلاقة بين الطرفين من توترات متكررة، نتيجة المطالب القومية الكردية وموقف الحكومات المركزية المتعاقبة منها. وعلى الرغم من التغيرات السياسية الكبيرة بعد عام 2003، لا تزال التحديات نفسها قائمة، ما يعكس عمق تعقيد هذا الملف وحاجته إلى حلول بعيدة المدى.

الدور الاقتصادي كمفتاح للتفاهم.

إلى جانب الجوانب السياسية، يشكل الاقتصاد عاملًا رئيسياً في إدارة العلاقة بين بغداد وأربيل. إذ يعتمد الإقليم بشكل كبير على الواردات المالية القادمة من بغداد، بينما تعد حكومة الإقليم لاعباً اقتصادياً مهماً في مجالات النفط والاستثمار. ولذلك، فإن تعزيز التعاون الاقتصادي، مثل تنفيذ مشاريع تنموية مشتركة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التبادل التجاري بين الطرفين، يمكن أن يسهم في تخفيف حدة الخلافات السياسية.

آفاق العلاقة المستقبلية.

إذا ما تمكنت حكومة السوداني من تنفيذ استراتيجيتها بفعالية، فمن الممكن أن تشهد العلاقة بين بغداد وأربيل استقراراً نسبياً، قائماً على حلول وسطى تلبي مصالح الطرفين دون المساس بالثوابت الدستورية للدولة العراقية. لكن هذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الجانبين، والتزاماً بتنفيذ الاتفاقات بعيداً عن التفسيرات الانتقائية للنصوص الدستورية.

وفي النهاية، يمكن القول إن إدارة العلاقة بين بغداد وكردستان هي اختبار حقيقي لقدرة الحكومة العراقية على تحقيق توازن سياسي دقيق. فكل خطوة يتم اتخاذها في هذا الملف لا بد أن تراعي البعد الوطني والمصلحة العامة، بحيث لا يكون الحل مؤقتاً، بل يشكل أرضية صلبة لعلاقة أكثر استقراراً في المستقبل. فهل ستنجح الأطراف السياسية ببن المركز والاقليم في تحقيق هذا الهدف؟ هذا ما ستكشفه الأشهر القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
أفتح الدردشة
اهلا بك في وكالة الراصد نيوز24
كيف يمكنني مساعدتك؟