آخر الأخبار
ألمقالات

نزع السلاح والحلم الكردي: بين مطرقة السياسة وسندان التاريخ

كتب رياض الفرطوسي
في زوايا التاريخ، حيث تتشابك الأحلام مع الدماء، وحيث تمتزج المقاومة بالخذلان، تعود القضية الكردية إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة في سياقٍ يحمل رياح تغيير قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. الاتفاق المحتمل بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والزعيم الكردي عبدالله أوجلان، الذي يدعو إلى نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، ليس مجرد خطوة سياسية عابرة، بل هو انعطافة حاسمة في مسار طويل من الصراع والكفاح.

السلاح والحلم: مفترق طرق حاسم

حين يعلن أوجلان أن “الوقت قد حان لوضع السلاح جانباً”، فإن هذه الكلمات لا تُقال بلا ثمن. إنها حصيلة عقود من الكفاح المسلح الذي خاضه حزب العمال الكردستاني منذ تأسيسه عام 1978، ليس فقط كحركة عسكرية، بل كحلم قومي يسعى لتحقيق الاعتراف والهوية. ولكن، هل يمكن تحقيق هذا الحلم بوسائل سياسية فقط؟ أم أن نزع السلاح هو إعادة توجيه لطريقة النضال لا أكثر؟

أردوغان وأوجلان: رقعة شطرنج معقدة

على رقعة السياسة، يبدو أن أردوغان وأوجلان يتحركان وفق استراتيجيات متباينة، لكنهما يجلسان إلى طاولة تفاوض تُرسم عليها ملامح المستقبل الكردي في تركيا والمنطقة. أردوغان، الذي يسعى لتعزيز نفوذه الإقليمي وسط اضطرابات متزايدة في سوريا وبعض المناطق الاخرى، يرى في نزع سلاح حزب العمال الكردستاني فرصة لتعزيز استقرار الداخل التركي وكسب المزيد من أوراق الضغط على الساحة الدولية. في المقابل، قد يكون أوجلان قد وصل إلى قناعة بأن الكفاح المسلح لم يعد السبيل الوحيد لتحقيق المطالب الكردية، وأن الانتقال إلى العمل السياسي قد يكون أكثر جدوى في ظل الظروف الراهنة.

اتفاقية الجزائر: شبح التاريخ يعود؟

لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق دون العودة إلى شبح اتفاقية الجزائر عام 1975، التي عقدها صدام حسين مع شاه إيران، حيث تم بموجبها وقف الدعم الإيراني للأكراد في شمال العراق مقابل تنازلات سياسية. اليوم، قد يسير أردوغان على خطى تلك الاتفاقية، مقدماً وعوداً سياسية مقابل نزع السلاح الكردي. لكن، هل ستلقى هذه الوعود مصير اتفاقية الجزائر، التي انهارت بعد سنوات قليلة؟ أم أن الظروف الدولية والإقليمية اليوم تسمح بخلق واقع جديد؟

القضية الكردية: بين الماضي والمستقبل

الأكراد، المنتشرون بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، يشتركون في حلم واحد: الاعتراف بحقوقهم السياسية والثقافية. لكن تحقيق هذا الحلم يتطلب أكثر من مجرد اتفاقات سياسية؛ إنه يحتاج إلى إرادة دولية وإقليمية تفكك تعقيدات التاريخ، وتعيد رسم معادلة القوة في المنطقة.

لماذا الحديث عن نزع السلاح الآن؟

تحولات إقليمية معقدة: التغيرات الجيوسياسية في سوريا ولبنان وفلسطين ، وتصاعد النفوذ الإيراني والروسي، تدفع تركيا إلى إعادة حساباتها، ما يجعل نزع السلاح الكردي ورقة يمكن استغلالها لصالحها.

ضغط القوى الدولية: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يفضلان تسوية القضية الكردية بطرق سلمية، لا سيما في ظل الانشغال بأزمات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا والصراع مع الصين.

إرهاق الحرب: بعد أربعة عقود من القتال، قد يكون الطرفان، تركيا وحزب العمال الكردستاني، قد وصلا إلى قناعة بأن المواجهة العسكرية لم تعد مجدية، وأن البحث عن حلول سياسية أصبح ضرورة.

مكاسب أردوغان السياسية: يسعى أردوغان إلى تحسين صورته داخلياً ودولياً، وكسب دعم الأكراد المعتدلين، خاصة مع التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها تركيا.

ماذا يحمل المستقبل للأكراد؟

إذا تم تنفيذ هذا الاتفاق بصدق، فقد يشهد الأكراد في تركيا تحسناً في حقوقهم السياسية والثقافية، لكن هذا يعتمد على مدى جدية تركيا في الوفاء بالتزاماتها. في سوريا، قد تتزايد الضغوط على الأكراد، خاصة مع استمرار تركيا في دعم الفصائل المعارضة هناك. أما في العراق، فقد تكون تجربة حزب العمال الكردستاني نموذجًا لما يمكن أن يحدث، خاصة مع محاولات تركيا توسيع نفوذها في إقليم كردستان.

الحلم الكردي بين المطرقة والسندان.

في نهاية المطاف، يظل الحلم الكردي معلقاً بين مطرقة السياسة وسندان التاريخ. الاتفاق بين أردوغان وأوجلان قد يكون نقطة تحول كبرى، لكن نجاحه يتوقف على نوايا الأطراف والضمانات الدولية. إذا نُفذ بصدق، فقد يسهم في استقرار نسبي، أما إذا أُفرغ من مضمونه، فقد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التوتر والصراع.

القضية الكردية ليست مجرد قضية سياسية، بل هي قضية إنسانية تحتاج إلى أكثر من اتفاقات مؤقتة. إنها تحتاج إلى إرادة حقيقية لكتابة فصل جديد في التاريخ، فصلٌ تُكتب فيه الحقوق بأحرف العدل والحرية، وليس بمراسيم مؤقتة على ورق السياسة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
أفتح الدردشة
اهلا بك في وكالة الراصد نيوز24
كيف يمكنني مساعدتك؟