آخر الأخبار
ألمقالات

الإنسان الاستثنائي بين القرار والرؤية: استشراف المستقبل وصناعة النهضة

كتب رياض الفرطوسي
في لحظات التحول الكبرى، لا يولد الاستثناء من الفراغ، بل يتشكل في صراع مع الواقع، في مواجهة مع الارتباك، وفي تحدٍّ مستمر لأعراف الاستسلام. الاستثنائية ليست سمة تورّث، بل رؤية تُصاغ بوعي وإرادة، وهي لا تتجلى في عزلة الفرد عن مجتمعه، بل في قدرته على استنطاق إمكانياته رغم كل القيود، وإعادة تعريف دوره ضمن المنعطفات التاريخية الحاسمة.

في العراق، حيث تمثل الإرادة السياسية تفاعلًا مع الشارع وتحمل زاوية نظر وفلسفة، يصبح البحث عن الإنسان الاستثنائي ضرورة ملحّة، وليس ترفاً فكرياً. إذ لا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يولد من رحم العشوائية، بل هو نتيجة قرار سياسي واضح ورؤية تتجاوز حدود اللحظة إلى بناء منظومة متكاملة تتيح للعقول المفكرة أن تبدع وتصنع الفارق. فالنهضة ليست مجرد شعارات، بل عملية تعتمد على قيادة تمتلك الجرأة لرسم طريق التنمية وفق أسس علمية متينة.

كما لم يكن جيفارا مجرد مقاتل، بل مفكراً أدرك أن الثورة تحتاج إلى رؤية بقدر حاجتها إلى السلاح، فإن بناء الدولة الحديثة يستدعي عقولًا جريئة لا تخشى مواجهة التحديات، بل تبحث عن الحلول الاستراتيجية لتمكين الإنسان وتحفيزه ليكون فاعلًا في مجتمعه. فالتاريخ لم يكن يوماً محايداً مع من يرفضون السكون، والإنسان الذي يقرر أن يكون استثنائياً عليه أن يتحمل ثمن هذا القرار، تمامًا كما فعلت سيمون دي بوفوار حين رفضت أن تكون مجرد ظلٍّ لرؤية تقليدية عن المرأة، فواجهت مجتمعاتها وأعادت تعريف الأنوثة بمعايير العقل والفكر والحرية.

إن العراق، الذي يقف اليوم عند مفترق طرق، يحتاج إلى بيئة سياسية تتبنى الفكر الاستثنائي، فلا يكفي أن ننتظر العقول المبدعة أن تنشأ من تلقاء نفسها، بل يجب أن يكون هناك دعم منهجي لهذه العقول، عبر سياسات الاهتمام والرعاية بشكل واضح، تلك هي تروس الأدمغة التي تحرك عجلة التنمية والتطور. فالنهضة ليست مجرد قرار إداري، بل مشروع متكامل يرتكز على عقلية تقود ولا تساوم، تخطط ولا ترتبك، تؤمن بأن التغيير الجذري لا يأتي بالمجاملات بل بالإرادة.

يرى سارتر أن الإنسان مسؤول عن كل شيء، حتى عن القيود التي لم يخترها، وهذا يعني أن بناء مجتمع متحضر لا يقع على عاتق الدولة وحدها، بل على كل فرد يمتلك رؤية وقدرة على التأثير. فالشعوب التي تنهض هي تلك التي تخلق بيئة حاضنة للإبداع، تحترم الفكر، وتشجع الجرأة في الطرح والتخطيط والتنفيذ.

الإنسان الاستثنائي لا يولد في فراغ، ولا ينتظر الظروف المثالية كي يظهر، بل هو من يخلق النور وسط العتمة، ويعيد ترتيب الفوضى بمعايير الجمال والعقل. في واقعنا العراقي، حيث تتعالى التحديات، يكمن الحل في اتخاذ القرار السياسي الحاسم، القادر على احتضان العقول الاستثنائية ودفعها نحو الإبداع والابتكار. فلا نهضة بلا فكر، ولا تنمية بلا تخطيط، ولا مستقبل دون رؤية جريئة تقود الدولة والمجتمع نحو أفق جديد، حيث يكون الإنسان هو المحور، والفكر هو السلاح، والتجديد هو السبيل الوحيد للعبور إلى الغد.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
أفتح الدردشة
اهلا بك في وكالة الراصد نيوز24
كيف يمكنني مساعدتك؟