حوارات مع المبدعين… الشاعر والكاتب.منير الدايري.المغرب

كمال الحجامي
نشا في مدينة (وجدة)شرق المملكة المغربية والتي استطاع أن تشكل لديه منذ الطفولة فضاءا خصبا للتامل والابداع بناه تحمله من تاريخ ثقافي غني وتنوع انساني عميق.والشاعر (الدايري)حاصل على شهادة/الحقوق/ولكن كان شغفه بالادب منذ السنوات الأولى.حيث توجه إلى الكتابة الشعرية والنصوص الادبية والتي تعتبر عن انشغالات الإنسان فكانت الكلمة بالنسبة لديه ملاذا ومساحة يبحث فيها عن ذاته وسط هذا العالم المتغير. ونشر نصوص قصاءده في عدد من المنابر الثقافية والاعلامية المهمة ومن بينها /مجلة/ضفة ثالثة//منصة راءدات/وموقع/انوار بريس/وغيرها والتي فتحت فرصة تقاسم تجربتها مع القراء.حيث واصل الاشتغال على مشروع شعري خاص به وسط هذا البحر الواسع من الاصوات متاملا أن يقدم من خلالها شهادة صادقة على هذا الزمن.ولكي نطلع على حوارنا مع الشاعر والكاتب (منير الدايري)كان هذا الحوار أهلا وسهلا بكم.
س&&تمثل الرواية انجازا شبه مستحيل يجمع بين القصة الرمزية القوية وسخصيات واقعية تلامس وجدان وعقلية القارى..كيف يسهم لكم هذا الجمع بينه هاتين المجالين لغرض أن تكون القصة ماثلة لدى المتابع بيسر وفهم وادراك.
ج: كشاعر وكاتب، أرى أن الجمع بين القصة الرمزية القوية والشخصيات الواقعية يشكل قلب الرواية الناجحة، لأنه يخلق توازنًا يمس الوجدان والعقل معًا. الرمزية تمنح النص عمقًا وأبعادًا مفتوحة للتأويل، فهي بمثابة مرآة تعكس التجربة الإنسانية بطريقة غير مباشرة، مما يحفز القارئ على التفكير والغوص في المعاني الكامنة. أما الشخصيات الواقعية فهي الجسر الذي يربط القارئ بالنص؛ لأنها تعكس مشاعر وصراعات مألوفة، تجعل القارئ يرى نفسه فيها، فيشعر بالانتماء إلى عالم القصة.
هذا الجمع يسهم في جعل القصة ميسرة ومؤثرة لأنه يجمع بين الخيال والحقيقة. الرمزية ترفع النص إلى مستوى فكري وفني، بينما الشخصيات الواقعية تجعل هذا العالم الفني ملموسًا وقريبًا. عندما أكتب، أحرص على أن تكون الشخصيات مرآة للواقع بكل تناقضاته، لكنني أنسج حولها رمزية تفتح أفقًا للتأمل. على سبيل المثال، قد تكون الشخصية رجلاً عاديًا يصارع الحياة اليومية، لكن رحلته قد تحمل رمزية البحث عن الحرية أو المعنى. هذا التوازن يجعل القارئ يتابع القصة بسلاسة، لأنه يجد فيها ما يعرفه وما يثير فضوله في آن واحد، فيفهمها بقلبه وعقله معًا.
$$تعمل قصيدة النثر كما قال الشاعر الكبير (ادونيس) انها شاملة متمركزة.مقفلة على نفسها وهيه بذات الوقت كتلة مثقلة بلاه نهايةفي عملية الايحاءات.. كيف تفسر لنا ماكتبت من قصيدة في هذا الجنس الأدبي.
ج : كشاعر وكاتب، أجد في قول أدونيس عن قصيدة النثر وصفًا دقيقًا يلخص جوهرها: هي كونٌ مغلقٌ ومفتوحٌ في آن. عندما أكتب قصيدة النثر، أسعى إلى خلق نصٍ يحمل كثافة شعرية تجمع بين الإيجاز والتكثيف من جهة، والانفتاح على آفاق الإيحاء من جهة أخرى. قصيدة النثر التي أكتبها تكون بمثابة لحظة متكاملة، كأنها لوحة تامة في ذاتها، لكنها في الوقت ذاته تحمل طبقات من المعاني تتجاوز حدود النص نفسه.
على سبيل المثال، قد أكتب عن رجل يقف أمام بحرٍ هائج، وفي النص أرسم ملامح المشهد بدقة حسية: الأمواج، الريح، الملح في الهواء. لكن هذا المشهد ليس مجرد وصف، بل هو رمزٌ لصراع داخلي، أو لمواجهة الإنسان مع المجهول. القصيدة هنا “متمركزة” لأنها تدور حول هذه اللحظة المكثفة، و”مقفلة على نفسها” لأنها لا تحتاج إلى تفسير خارجي لتكتمل. لكنها في الوقت ذاته “مثقلة بلا نهاية” لأن كل قارئ سيجد فيها إيحاءً مختلفًا: أحدهم قد يرى فيها الحرية، وآخر الوحدة، وثالث التمرد.
أسعى في قصائدي النثرية إلى أن تكون لغتها مشبعة بالصور الشعرية، لكنها متجذرة في التجربة الإنسانية. أحب أن أترك القارئ مع أسئلة أكثر مما أعطيه إجابات، فالقصيدة بالنسبة لي هي دعوة للتأمل، حيث يمتزج الملموس بالمجرد، والمحدود باللامتناهي. هكذا، تظل قصيدتي حية، تتنفس مع كل من يقرأها، وتتجدد في كل عين تراها.
س: $$الرغبة في السرد تاخذ دورا محوريا له في وظاءف متعددة. كيف تسهم في اتباع استرسالك إلى هذا العمليه وتجعله ماثلا لدى القراء أجمع.
ج: الرغبة في السرد هي الشرارة التي تُحرك الكتابة وتُحيي النص في ذهن القارئ. كشاعر وكاتب، أرى أن السرد ليس مجرد حكاية، بل هو عملية خلق عالم يتنفس، يجمع بين الحلم والواقع. لجعل السرد ماثلاً ومؤثراً لدى القراء، أعتمد على عدة عناصر تجعل الاسترسال فيه تجربة حية ومشتركة.
أولاً، أبدأ من الصدق العاطفي. عندما أكتب، أغوص في التجربة الإنسانية، سواء كانت من خيالي أو من واقع عشته أو لمسته. هذا الصدق يخلق صلة وجدانية مع القارئ، فهو يشعر أن ما يقرأه ليس مجرد كلمات، بل نبض حياة. على سبيل المثال، إذا كتبت عن امرأة تودع ابنها في محطة قطار، أركز على التفاصيل الحسية والنفسية: لمعة الدمعة في عينها، ثقل الصمت بينهما، صوت القطار البعيد. هذه التفاصيل تجعل القارئ يعيش اللحظة.
ثانيًا، أحرص على أن يكون السرد ديناميكيًا، يحمل إيقاعًا يتناغم مع المشاعر. أمزج بين الوصف والحوار والتأمل الداخلي لأحافظ على انتباه القارئ وأجعله يتحرك مع تيار القصة. أحيانًا، أترك فراغات متعمدة، تلميحات أو أسئلة مفتوحة، لأدعو القارئ ليشاركني في ملء هذه الفراغات بخياله وتجربته الشخصية.
أخيرًا، أرى أن السرد يصبح ماثلاً عندما يحمل بُعدًا إنسانيًا عابرًا للزمان والمكان. حتى لو كانت القصة تدور في قرية نائية أو زمن بعيد، أربطها بمشاعر وصراعات كونية مثل الحب، الفقدان، أو البحث عن المعنى. هذا يجعل القارئ، أيًا كان، يجد جزءًا من نفسه في النص.
بهذه الطريقة، أحول الرغبة في السرد إلى جسر يصلني بالقراء، حيث يصبح النص مرآة تعكس تجاربهم وأحلامهم، وفي الوقت ذاته نافذة تفتح لهم آفاقًا جديدة.
&&كيف تعمل على سعيك في تسخيص الاسماء السردية في القصص القصيرة أو الروايات.بدا من القصص الكلاسيكية إلى السهل الممتنع والمعاصر لدى القراء في عملية الكتابة لديكم .
ج : كشاعر وكاتب، أرى أن تسخيص الأسماء السردية في القصص القصيرة أو الروايات هو عملية فنية تجمع بين الدقة والخيال، بهدف منح الشخصيات حياة نابضة تجعلها لا تُنسى لدى القارئ. سواء كنت أكتب في إطار كلاسيكي أو أسلوب معاصر يتميز بالسهل الممتنع، أعتمد على استراتيجيات محددة لجعل الأسماء والشخصيات خلفها جسورًا تربط النص بالقارئ.
في القصص الكلاسيكية، غالبًا ما أختار أسماء تحمل دلالات رمزية أو ثقافية تعزز من عمق الشخصية. على سبيل المثال، قد أسمي شخصية “نور” إذا كانت تمثل الأمل أو التنوير في سياق القصة، أو “صخر” لشخصية تتسم بالصلابة والثبات. هذه الأسماء ليست عشوائية، بل تكون جزءًا من النسيج الرمزي للنص، حيث تعكس طباع الشخصية أو مصيرها. أعمل على أن تكون الشخصية متسقة مع اسمها من خلال أفعالها وصراعاتها، فتصبح الاسم نقطة انطلاق لفهم أعمق لدورها في القصة.
في الأسلوب المعاصر والسهل الممتنع، أميل إلى اختيار أسماء تبدو عادية وبسيطة، لكنها تحمل طابعًا مميزًا يرسخ حضور الشخصية في ذهن القارئ. على سبيل المثال، قد أختار اسمًا مثل “مريم” أو “خالد”، وهي أسماء مألوفة، لكن أسخّرها لشخصيات تحمل تناقضات إنسانية معقدة. البساطة هنا تخدم فكرة التقريب بين القارئ والشخصية، فالاسم يبدو كأنه لشخص قد يعرفه القارئ في حياته اليومية. لكن وراء هذا الاسم، أنسج شبكة من التفاصيل الدقيقة—عادات الشخصية، طريقة حديثها، أحلامها، مخاوفها—لتتحول إلى كيان حي يتجاوز الاسم نفسه.
في عملية الكتابة، أحرص على أن يكون الاسم مدخلاً إلى عالم الشخصية، لكنه ليس كل شيء. أعطي الشخصيات لحمًا ودمًا من خلال تصرفاتها وتفاعلاتها مع الآخرين. على سبيل المثال، في قصة قصيرة، قد أقدم شخصية تُدعى “سلمى” كامرأة هادئة في البداية، لكن مع تقدم السرد، تكشف عن تمرد داخلي من خلال قراراتها أو نظراتها الصامتة. هذا التحول يجعل الاسم “سلمى” يترسخ في ذهن القارئ كرمز للقوة المستترة.
كذلك، أحيانًا ألعب بالتناقض بين الاسم وطباع الشخصية لخلق تأثير درامي. فمثلاً، شخصية تُدعى “باسم” قد تكون كئيبة أو ساخرة، وهذا التناقض يثير فضول القارئ ويجعله يتساءل عن أسباب هذا التباين. هذه التقنية تضيف طبقة من التعقيد تجعل الشخصية أكثر قربًا وواقعية.
في النهاية، سواء كنت أكتب بلغة كلاسيكية غنية أو بأسلوب معاصر يعتمد البساطة، أسعى إلى أن يكون الاسم بمثابة بوابة إلى روح الشخصية. أمزج بين الاسم وتفاصيل الشخصية وسياق القصة لأخلق تجربة سردية تجعل القارئ يشعر أن هذه الشخصيات ليست مجرد حبر على ورق، بل أرواح تعيش وتتنفس، قد يلتقيها يومًا في زاوية من زوايا الحياة.
واخيرا شاكرا لتواصلكم عبر الاثير في هذة الحوارية الشيقة لشاعرنا العزيز (منير الدايري) ككلمة اخيرة يمكن نختم بها هذا الحوار الشيق والممتع۔
يسرني أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للأستاذ كمال الحجامي على الحوار الثري الذي جمعنا، والذي كان فرصة قيمة لتبادل الأفكار وإلقاء الضوء على أعمالي الأدبية. لقد كان نقاشًا ممتعًا يحمل في طياته عمقًا فكريًا يثري التجربة الإبداعية ويحفز الاستمرار في البحث والتجديد.
ولا يفوتني أن أعبر عن امتناني لجميع أفراد فريق الصحيفة، الذين يبذلون جهودًا ملموسة في دعم المشهد الثقافي والإعلامي، ويمنحون للمبدعين مساحة للتعبير والمشاركة في حوار بناء يخدم الفكر والإبداع.
وفي الختام، أرجو للجميع مزيدًا من التألق والنجاح، وأن تستمر مسيرة العطاء في إثراء المشهد الأدبي والفكري. كل التقدير والاحترام.




