آخر الأخبار
ألثقافة والفن

ختام مهرجان الشعر في طرطوس

ختام مهرجان الشعر في طرطوس

 

 

 

ختام مهرجان الشعر في طرطوس

لينا حمود | سورية

 

تحت عنوان: الشعر بين الفصاحة والتفاعل

جاء اليوم الثالث من مهرجان الشعر في طرطوس، الذي نظّمه اتحاد الكتّاب العرب – فرع طرطوس احتفاءً باليوم العالمي للشعر، ليقدّم لوحة ثقافية تتجاور فيها الأصالة مع التجريب، والفصحى مع اللهجات، والصوت الفردي مع الهمّ الجمعي. كان يوماً يطرح الأسئلة بقدر ما يقدّم الجمال، ويعيد التذكير بأن اللغة ليست أداة تعبير فحسب، بل وعاء هوية ومساحة انتماء.

التقديم:

تناغم في الأداء واتساع في الرؤية

شارك في تقديم الأمسية كلٌّ من الموجّهة التربوية رجاء عمار، والأستاذ منذر عيسى رئيس الفرع، والشاعر بسام حمودة. جاء التقديم متناغماً، يحمل روحاً واحدة رغم اختلاف الأساليب:

الأستاذة رجاء عمار قدّمت مقاطع عن الحب والضمير بروح إنسانية دافئة، تستعيد قيماً يفتقدها عالم السرعة: الصدق، التأمل، والعمق.

الأديب منذر عيسى والشاعر بسام حمودة قدّما الشعراء بخبرة ووعي نقدي، مع الحفاظ على عفوية التقديم وقربه من الجمهور.

 

المشاركات الشعرية: فسيفساء من التجارب

الأديبة المتميزة أحلام غانم

افتتحت اليوم بتحية وسلام للحاضرين والغائبين، وقدّمت نصوصاً من مجموعتها، أبرزها “زيتونة الضاد”؛ نصّ يزاوج بين رمزية الزيتون كجذر وصمود، والضاد كهوية لغوية. كان افتتاحاً يعبّر بوضوح عن روح المهرجان.

 

الأديبة ليزا خضر

قدّمت نصوصاً ترى الطبيعة ككائن حي يتنفس ويتألم ويفرح. لغتها تجمع بين الرومانسية والواقعية، وتبحث عن الفرح كقيمة وجودية لا كحالة عابرة.

 

الشاعر هيثم علي

غاب جسداً وحضر نصاً. ألقى الشاعر بسام حمودة مختارات من أعماله، بين “ترانيم” و”اغتراب”. والأخيرة قصيدة ملحمية طويلة اختير منها مقطع مؤثر نال تفاعل الحضور. ورغم أن غياب الشاعر أثّر على تجربة التلقي، فإن أداء حمودة أعاد للنصوص حضورها.

 

الأديب فادي مصطفى

أعاد للحضور صدى المعلقات العربية بإلقاء جهوري قوي، مؤكداً أن الشعر القديم ما زال قادراً على ملامسة الوجدان المعاصر.

 

الأديب والمترجم أحمد م. أحمد

صرّح بأنه يمتلك جواز سفر إلى بلد آخر، لكنه يبقى في سورية لأنها لا بديل عنها. أهدى مشاركته إلى الشهيد مضر الجندي، وقدّم ثلاثة نصوص:

نص مترجم مؤثر عن الحرب العالمية الثانية لسميك بعنوان: “ماذا قال الغجر لجدتي عندما كانت صبية”.

نص للشاعر ديريك والكوت الحاصل على جائزة نوبل بعنوان: “البحر تاريخ”.

نص من إبداعه بعنوان: “لي أخ قديم”.

نصوص الشاعر والمترجم أحمد م. أحمد ليست سهلة ولا مباشرة، ولا يتلقاها الجمهور بشكل مباشر، وهذا ثراء يحتاجه المهرجان. لكن ربما كان من المناسب تقديم شرح مبسّط للنصوص المترجمة، لتصبح أقرب إلى الحضور، لأن بعضهم قد لا يكون على دراية بالسياق الثقافي الذي كتبت فيه.

 

اللواء والشاعر علي الجندي

قدّمه بسام حمودة بوصفه “محارباً على جبهة الشعر”. تناولت نصوصه:

تغيّر الإنسان في زمن التحولات.

نص بعنوان “الكأس الثاني” يبحث فيه عن وطن يليق بالحلم. وقد لفتني فيه نقد ذاتي في عبارة لافتة: “وطني تأكله الآفات الذاتية”، وهي عبارة تستحق حواراً أعمق حول معنى الانتماء ومسؤولية الفرد في بناء الوطن.

المحامي محسن كتوب

قرأ قصيدة وفاء لزوجة الشاعر الراحل الوفية، مضيفاً بُعداً وجدانيّاً للأمسية. واستحضاراً لأرواح الراحلين من الشعراء

كما أكد ذلك رئيس الفرع .

 

اختتم

الأستاذ منذر عيسى اليوم الثالث بكلمة شكر فيها الحضور، وأشاد بالمشاركات المتميزة، وأعلن أن المهرجان القادم سيكون في أيار، مخصصاً للقصة والرواية، مع فتح المجال أمام الحضور للمشاركة.

 

نقاش الحضور:

الفصحى بين الأداء والهوية طرحت إحدى المشاركات سؤالاً محورياً: لماذا لا يلتزم بعض الشعراء بالنطق السليم للحروف اللثوية؟ ولماذا يختلط الإلقاء باللهجة المحلية؟

وافق الحضور على أهمية الملاحظة، وأرجعوا الأسباب إلى:

تأثير البيئة المدرسية والاجتماعية

غياب التدريب الصوتي

غياب الرقابة اللغوية في المنابر الثقافية

الفصحى ليست نقيضاً للهجة، بل شريكاً لها. لكن في أمسية تحتفي بالشعر العربي، يصبح النطق السليم جزءاً من احترام النص واللغة والجمهور.

خلاصة اليوم الثالث

كان اليوم الثالث مساحة للتنوع، ولحضور الترجمة، وللنقد الذاتي، ولأسئلة الهوية اللغوية. يومٌ جمع بين التجارب الفردية والهمّ الوطني، وبين الأصوات الجديدة والراسخة.

 

ملامح الأيام الثلاثة للمهرجان

جاء اليوم الأول من المهرجان بوصفه يوم التراث والانطلاق؛ يومٌ تداخلت فيه الأصوات بين الفصيح والمحكي، وتجاورت فيه موضوعات الغزل مع الهمّ الواقعي، ليقدّم صورة عن الشعر كجسر يصل الماضي بالحاضر.

أما اليوم الثاني فحمل طابعاً مختلفاً، إذ غلبت عليه الصوفية والعمق الوجودي. ظهرت في نصوصه الرمزية والتأملات الفلسفية، وتجلّى فيه نقد اجتماعي رصين، مع بحث صادق عن معنى الإنسان في عالم مضطرب.

وجاء اليوم الثالث ليختتم المهرجان بروح من التنوع والنقد. تميّز بحضور لافت للترجمة، وبنبرة نقد ذاتي وطني شجاع، كما برزت فيه إشكالية النطق السليم للفصحى، التي أثارها الحضور بوصفها قضية تستحق الوقوف عندها.

 

ما جمع الأيام الثلاثة:

حضور لافت

نصوص عميقة

جهود تنظيمية تستحق التقدير

 

وما افتقدته:

مساحة أوسع للنقد البنّاء

تفاعل أكبر من الجمهور

حضور أقوى للشباب

 

توصيات للمهرجانات القادمة

استمرارية المهرجان بشكل دوري مع التركيز على النوعية.

تنويع المشاركين ليشملوا فئات عمرية وخبرات متعددة.

إدراج ورشات تدريبية في الكتابة، الترجمة، الإلقاء، مخارج الحروف، والنقد اللغوي.

توثيق الفعاليات عبر مطبوعات أو تسجيلات مرئية.

توسيع مشاركة الشباب في التنظيم والإدارة والإبداع.

 

يظل مهرجان الشعر في طرطوس وعداً ثقافياً يتجدد. وإذا كان الشعر مرآة المجتمع، فإن هذه الأيام الثلاثة كانت مرآة للإنسان السوري: متعبة… لكنها لا تزال قادرة على الحلم. مُثقلة… لكنها لا تزال تؤمن بالكلمة.

نلتقي في أيار، مع مهرجان القصة والرواية، على أمل أن تتسع الدائرة أكثر، وأن يعلو صوت الإبداع، وأن يبقى اتحاد الكتّاب العرب مساحة تُنصت فيها اللغة إلى نفسها، وتنهض من جديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى