تأملات في كتاب (خيوط متشابكة بين الواقع والخيال) للكاتبة حنان كريم عواد | پرشنگ أسعد الصالحي
تأملات في كتاب (خيوط متشابكة بين الواقع والخيال) للكاتبة حنان كريم عواد | پرشنگ أسعد الصالحي

تأملات في كتاب (خيوط متشابكة بين الواقع والخيال) للكاتبة حنان كريم عواد | پرشنگ أسعد الصالحي
ناقدة | عراقية
تشبه قراءة هذا الكتاب المرور عبر متاهات مضيئة، حيث كل محطة فيه تعلمنا حكمة لا يمكن للأحاديث أن تسردها، وقد استخلصت من تجاربها حكايات تُروى.
بين صفحات هذا العمل، لم أجد مجرد قصص تُروى، بل مرايا تكشف أعماقنا، وأسئلة تحفز التأمل، وتجارب تُلهم القلب والعقل معًا. كل قصة تفتح بابًا لفهم أعمق، وتدعونا لمواجهة الذات كما هي، لا كما نرغب أن نراها.
في الصفحات الأولى، تطرح الكاتبة أسئلة عن الوجود: هل هو ثابت أم قابل للانهيار؟ وهل الذات مكتملة، أم في حالة تشكّل دائم؟ هذه التساؤلات تمثل نبض الكتاب وروحه، وتدفع القارئ للغوص في نفسه قبل أن يغوص في القصص.
تستعمل الكاتبة الرموز، مثل المرآة، ليس لإظهار الملامح فقط، بل لكشف غرابيل الحقيقة المخفية داخلنا. ومن هنا، يتحول الكتاب من مجرد حكايات إلى مساحة تأملية حقيقية، حيث يواجه القارئ ذاته بصدق، ويتلقى دروسًا عن القوة والضعف، عن الألم والنضج، وعن الحكمة التي تتكوّن بصمت.
تركز حنان كريم عواد أيضًا على فكرة الإهمال، بوصفه أحد أشكال الفقد الأكثر قسوة. فنحن، ككائنات هشّة، نحتاج إلى عناية مستمرة، وإلى من يرى فينا ما يستحق البقاء. الإهمال لا يكون دائمًا صاخبًا، بل قد يأتي بصمتٍ بارد، على هيئة تجاهل أو انسحاب تدريجي، فتتراكم الخيبات داخليًا. وهنا تكمن الحكمة: أن نكون رعاة لأنفسنا، ونمنح ذواتنا ما تستحقه من اهتمام، لأن من لا يغذي روحك، لن يكترث لذبولك.
وفي خضم هذا التيه، تتجلى صورة الأم كرمز للعطاء الصامت؛ فهي تمنح دون انتظار، وتبذل دون حساب، وتبقى مصدر الأمان الأول. هذا العطاء هو ما يصنع التوازن في الحياة، ويمنح الوجود معناه الأعمق.
كما تتناول الكاتبة فكرة الروتين، بوصفه سكونًا ظاهريًا يخفي فراغًا داخليًا. فالتكرار قد يفقد الأشياء معناها، ويجعل الحياة تمر دون أثر. لكن الزمن، في تكراره، لا يعيد الأحداث عبثًا، بل يمنحنا فرصة للفهم. فإن لم نلتقط الدرس، سنجد أنفسنا نعيش التجربة ذاتها مرة أخرى.
في هذه المتاهة، يبحث الإنسان عن يقين، عن ضوء يشبه المنارة، وعن أمان يشبه الوصول. ورغم أن الطرق قد تتشابه، إلا أن لكل إنسان بوصلته الخاصة وتجربته التي تقوده نحو ذاته.
الحقيقة، كما تصورها الكاتبة، ليست فكرة تُقال، بل تجربة تُعاش؛ ذلك الألم الذي نمر به، والإدراك الذي يتكوّن بصمت. كلما طال الصمت، نضجت الحكمة، وكلما تعمّق البحث، خفّ الشك، وعندها يصل الإنسان إلى طمأنينة لا يمنحها له الآخرون، بل تنبع من داخله.
تطرح الكاتبة أيضًا سؤال العدالة بوصفه سؤالًا إنسانيًا عميقًا؛ فنحن نحاول ترميم ذواتنا في عالم لا ينصف دائمًا، ونبحث عن إنصاف يشبهنا. لكن العدالة الحقيقية لا تُقاس بأحكام الآخرين، بل بقدرتنا على رؤية الأشياء بوضوح، واستعادة توازننا الداخلي رغم كل ما نفقده. وتصبح الكتابة هنا وسيلة نجاة، تعبّر عن ما تعجز عنه اللغة اليومية، وتمنح الإنسان القدرة على إعادة تشكيل ذاته من جديد.
تمتلك حنان كريم عواد أسلوبًا سرديًا عميقًا وسلسًا، يجعل القارئ يعيش التجربة لا يقرأها فقط. قصصها ليست مجرد حكايات، بل مساحات للتأمل، تكشف خبايا النفس، وتعيد طرح الأسئلة التي نتجنبها. هذا العمل لا يقدم إجابات جاهزة، بل يوقظ الوعي، ويترك أثرًا داخليًا يدفع القارئ لإعادة النظر في ذاته، وفي علاقته بالحياة وبالآخرين.





