آخر الأخبار
ألمقالات

الأثر الخفي في الإبداع والعلاقات

الأثر الخفي في الإبداع والعلاقات | سمية زكي البطاط
كاتبة | عراقية

 

حول الشعور بالأفضلية والتعالي لدى بعض النخب العراقية وأثر ه الخفي في الإبداع والعلاقات:

لا يمكن تناول المشهد الثقافي والفني والإعلامي العراقي دون الإقرار بتعقيده وغناه، ولا دون الاعتراف بأن هذا المشهد ظل، رغم التحولات العنيفة التي مر بها البلد، مساحة مقاومة وحيوية. غير أن هذا الاعتراف لا يمنع من التوقف النقدي عند ظاهرة باتت ملموسة لدى البعض من المنتسبين إلى الفئة النخبوية في مجالات الفن والثقافة والإعلام، وهي ظاهرة الشعور بالأفضلية والتعالي، وما تتركه من أثر سلبي في نوعية الإنجاز الإبداعي وفي طبيعة العلاقات داخل هذه الأوساط.
من المهم التأكيد أن الحديث هنا لا يطال الجميع، ولا يسعى إلى وصم النخبة بوصف واحد، بل يركز على شريحة محدودة لكنها مؤثرة، هذه الشريحة تمتلك حضوراً إعلامياً ورمزياً يسمح لسلوكها بأن يتحول إلى نموذج، أو على الأقل إلى مناخ عام يفرض نفسه على الآخرين. هذه الشريحة غالباً ما تبني إحساسها بالأفضلية على تراكم خبرة، أو سبق زمني، أو قرب من مراكز الضوء، أو حتى على خطاب ثقافي مغلق يوحي بالتمايز المعرفي، لكنه في جوهره يتحول إلى أداة إقصاء.
ينعكس هذا الشعور بالأفضلية بشكل واضح على طبيعة الإنجاز المسرحي والدرامي. ففي المسرح، حيث يفترض أن يكون العمل جماعياً بامتياز، يؤدي التعالي إلى اختلال ميزان التعاون، فتُهمَّش طاقات شابة، وتُكسر مبادرات جديدة، ويُعاد إنتاج الأسماء نفسها والرؤى ذاتها، حتى وإن فقدت قدرتها على الإدهاش. أما في الدراما، فيتحول التعالي إلى نوع من الوصاية الجمالية والفكرية، حيث تُفرض مقاربات محددة بوصفها «الأكثر نضجاً» أو «الأكثر عمقاً»، بينما تُقصى محاولات التجريب والتجديد بذريعة عدم الجاهزية أو قلة الخبرة.
ولا يقتصر الأثر على المنتج الفني نفسه، بل يمتد إلى أريحية العلاقات داخل الوسط الثقافي والإعلامي. فالشعور بالتفوق يولد مسافة نفسية واجتماعية، تُضعف الثقة، وتحوّل الحوار إلى مواجهة غير متكافئة، وتغذي مناخاً من التحسس والاصطفاف. ومع الوقت، يصبح الوسط أقل قدرة على احتضان الاختلاف، وأكثر ميلاً إلى إعادة إنتاج دوائر مغلقة، تحمي نفسها بنفسها وتعيد تبرير وجودها من داخلها.
الأخطر في هذه الظاهرة أنها تتناقض مع السياق العراقي نفسه، وهو سياق يفترض، بحكم ما مر به من انكسارات وتحولات، أن ينتج حساسية أعلى تجاه الآخر، وتواضعاً معرفياً وأخلاقياً يفتح المجال للتعدد والتشارك. فالثقافة والفن، في جوهرهما، ليسا امتيازاً طبقياً أو رمزياً، بل فعل تواصل، واختباراً دائماً للذات عبر الاحتكاك بالآخرين.
إن نقد هذا السلوك لا يعني التقليل من قيمة الخبرة أو من أهمية التراكم المعرفي، بل يعني الدعوة إلى تحريرهما من وهم التفوق، وإعادتهما إلى وظيفتهما الطبيعية: الإسهام في تطوير المشهد، لا السيطرة عليه. فالمشهد الثقافي الذي تحكمه الأبواب المفتوحة والحوار الأفقي، هو الأقدر على إنتاج مسرح حي، ودراما أكثر صدقاً، وعلاقات أكثر أريحية وإنسانية.
في النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على وعي النخبة نفسها، وعلى قدرتها على مراجعة مواقعها وسلوكها، والإصغاء إلى ما يتشكل خارج دوائرها الضيقة. فالثقافة التي تتعالى على محيطها، تفقد تدريجياً مبرر وجودها، بينما الثقافة التي تنفتح، حتى وهي واثقة من نفسها، هي وحدها القادرة على البقاء والتأثير..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى