قصة قصيرة . ذاكرة مرهقة

 

سرحان الركابي . العراق

. حينما أتلمس جعبة أيامي المهروسة تحت عجلة الزمن الزاحف بقسوة لا متناهية , فان ثمة يقين ما يختض برأسي ويؤكد لي , أن ذلك الوميض من الذكريات , ليس الا حقائق عشت تفاصيلها في يوم من الأيام , اذ لم تكن مجرد أحداث مهلهلة مرت كطيف عابر وأنتهت بصمت , وعلى الرغم من أنها لم تعد سوى شريط ممزق , ومركون في زاوية معتمة من الذاكرة , الا أنها تبدو لي في أحيان كثيرة كوصمة عار تلاحق تاريخي المجهول والمنسي , أو كلعبة صبيانية جديرة بالاحتقار والتجاهل , .
. بيدين راعشتين وقلب راجف أفتح فرجة صغيرة في الباب , وأقف مترصدا ومتربصا , وبعد فترة من الزمن قد تطول أو تقصر يفتح الباب الموارب لبيتنا , وتطل ليلى برأسها كحمامة وديعة تنظر في اتجاهي تماما , وكأنها متأكدة من وجودي , وما أن تغمرني نشوة حضورها الباهر , حتى أتسمر في مكاني كتمثال مصلوب في زمن متحجر , يتوقف الزمن ساعتها , وتختل كل الموازين , وتتوقف معه الرغبات الصبيانية المندفعة كطوفان جارف , حيث تخبو هواجسي وتنطفيء تحت سطوة الخجل والتردد المريرة , لكنني وفي محاولة يائسة للخروج من ذلك الوضع المربك , أرسم ابتسامة بلهاء على وجهي , تبتسم لي بملامح طفولية مشرقة , فأتشظى أمام انهمار موجات السحر ولحظة الظفر الحاسمة , أتسامى وأسيح في عالم موشى بأحلام خيالية لاحدود لها , . كانت تعرف أني موجود وأراقبها من مكان ما , تمد عنقها المرمري لتتفحص الشارع , فيندفع جسدها الى الامام , ليغدو عرضة لنظراتي المتلهفة والخجولة , تنكشف مفاتن جسدها المنحوت بدقة وعناية , وتبرق عيناها السوداوان وهما تراقبان بلهفة حذرة , ويتضح مدى نصاعة ولطافة أصابع يديها الناعمة وهي تمسك بحافة الباب نصف المفتوح , ويتهادى شعرها الأسود الكثيف المنسدل على كتفيها كأنه موجة من موجات بحر هائج , كل تفاصيل جسدها المنحوت بعناية الهية تبدو جلية وواضحة لي , المسافة التي تفصلني عنها لا تتعدى الأمتار القليلة , وبامكانها أن تسمعني , لو ناديتها , لكن أنى يكون لي ذلك وأنا تمثال مصلوب في زمن متوقف عند عقاب وهمية , . كل ما كنت أستطيع فعله , هو تلك الابتسامة البلهاء العجفاء , التي تتيبس فوق ملامحي مثل خارطة ثقيلة , فأبدو مثل كائن غريب وخائر القوى . وعند تكرار تلك اللعبة المؤلمة والمقيتة , اكتشفت أني كائن مسحوق ورعديد , يخشى أن يراه الناس وهو يغازل ابنة الجيران , ولن أستطيع التفوه بكلمة واحدة , اذ ان مجرد حضورها الباهر بالقرب من عالمي المنكمش , يلقي بظلاله الثقيلة على ارادتي , فيشل حركتي ويخرس لساني , ويميت هواجسي ورغباتي . . لقد تراجعت جذوة الأحلام والهواجس , التي كنت أجري خلفها كارتعاشات سراب خادع , فرحت أتشبث بكل السبل والوسائل التي توصلني اليها , وأقبض باستماتة على أطراف نهايات لعبتي المريرة . وتحت وطأة هزيمتي وفشلي المروع , فضلت أو بالأحرى اضطررت أن أراقب من بعيد , كي ألتقط الاشارات والايماءات التي تصدر عنها , والتي أخذت تتضاءل وتفتر حماستها رويدا رويدا , بفعل بلادتي وشرودي واضطرابي , وقبل أن تنفلت خيوط لعبتي من بين أصابعي , رحت أتخبط في أوحال هزيمتي , متشبثا بكل الوسائل التي تبقيني على تواصل معها , وكانت وسائلي وطرقي عقيمة وغير مجدية , رغم تكرارها عدة مرات , كلماتي التي رحت أخطها على الورق , ما هي الا لغة صامتة ومضللة وبعيدة عن الوضوح والمباشرة , الرسائل لغة العاجزين عن المواجهة والمشافهة العلنية , خطابي الذي أنوي ايصاله اليها هو في الحقيقة وسيلة فاشلة لاجتياز عقبة الأمتار الضئيلة التي تفصلني عنها , والتي عجزت محاولاتي المستميتة عن أجتيازها , فرحت ألوح لها بأوراقي الأخيرة ووسيلتي الباقية , لأرى ابتسامتها البائسة , التي تيبست على شفتيها الذابلتين , وجسدها الذاوي , وغمامة الحزن التي راحت ترتسم على وجهها الطفولي , كلما لاحت لها صورتي البليدة , وانا ألوح برسائلي التي لم تصل اليها . لقد هدأت جذوة رغباتها الجامحة , وماتت بفعل بلادتي وترددي وشرودي , وكانت محاولاتي الأخيرة لايقاظ رغباتها المنكسرة عبثية وضائعة , فقد رحلت بعيدا , وتركت لي آثار بصماتها على الباب , وصورة هلامية تنتصب عند فرجة الباب الضيقة , وابتسامة باهتة جففها الزمن , وثلم كل ملامحها الضبابية , . لا أعلم ما اذا كانت قد تزوجت , ام ذهبت الى مكان مجهول , لن ترى فيه اطلالتي المتخشبة وابتسامتي الباهتة , ولا يدي الراعشة وهي تلوح باخر الكلمات المقنعة والصامتة , لكنها تركت لي بابا نصف مفتوح , ورسائل باردة وغير مقروءة , ومحفوظة في ملفات حفظ علاها الغبار والاهمال , ومسافات فاصلة ضئيلة , لكنها كانت تبدو لي شاسعة
.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد