الخوف
ـــــــــــ
الخوف والطمأنينة أو الأمان ، صفتان متلازمتان تختلفان في الجوهر والمضمون ، ولا أظن أن هناك من لاتتأصل فيه صفة الخوف ، فهي صفة ملازمة للإنسان العاقل ومخالفتها تعني البلادة بعينها وبعيدا كل البعد عن الإحساس والشعور بإنسانيته بمعنى أنه لايوجد إنسان سوي لايشعر بالخوف عند حدوث أمر طاريء له باستثناء بعض الحالات التي تستوجب رباطة الجأش والشجاعة ، وحتى هذه الشجاعة مرهونة بالموقف الحاصل ، وهذا مانراه في بطولات الجند في المعارك ، فتراه يستقبل الرصاص بصدر رحب ومع ذلك تراه في لحظة من اللحظات يرهبه انفجار قنبلة هنا وهناك .
الخوف قضية نفسية حالها حال بقية القضايا النفسانية ، وليس له وقت محدد في الظهور وقد يلازم الإنسان في أي وقت من الأوقات نتيجة حادث معين أو صدمة يتعرض لها الإنسان .
ومن تراثنا الشعبي يحكى أن هناك رجلا قد شمر ذراعيه وسمـّق صدره وذهب بالتبجح في شجاعة موهومة ، وجميع أقربائه ومعارفه على دراية تامة بأنه غير أهل لها ، فتحدوه في شجاعته بأن يعطوه وتد معلـّم ليغرسه في مقبرة قريبة منهم وعند قبر محدد قابع في آخرها ليلا ، فقبل التحدي واستنفر قواه وشمـّر عن ساعديه ، وحانت ساعة الصفر فأخذ ذلك الوتد ومطرقة بغية غرسه ودقه عند ذلك القبر وهم في إنتظاره ، إلا أن الرعب خالجه وأخذ منه ما أخذ وهو يلوذ بخطاه بين القبور متجها نحو ضالته المحددة ، بينما كان زملاؤه في إنتظار عودته ، وبعد دقائق قليلة كان الصراخ والعياط ينبعث من عمق المقبرة ، فولجوا إلى داخلها حاملين مصابيحهم اليدوية متجهين صوب ذلك الصوت المنبعث ، فإذا بهم ينقادون نحو نهاية المقبرة ولتنتهي خطاهم عند صاحبهم هذا ، فإذا بهم يشاهدونه وقد غرس ذلك الوتد على ذيل دشداشته ولم يستطع من العودة إلى زملائه عندما هم ّ بالعودة جريا بشكل سريع في العودة لهم ، وقد ظن أن هناك من أخذ يسحبه ويجرّه إلى داخل القبر ، وما تفسير ذلك إلا أنه كان في الإساس مرعوبا عند دخوله تلك المقبرة .
الخوف سلوك ناتج عن غريزة من غرائز الكائنات الحية بشكل عام إلا أنه يختلف من كائن لآخر ، وحتى في الإنسان فإنه يتباين من إنسان إلى آخر معتمدا على النشأة وأساليب التربية والبيئة ودرجة الوثوق بالنفس وكل ذلك يعتمد بالأساس على الجرأة والإقدام في التنفيذ ، إلا أن جميعها لاتنهي هذه المسألة البتة .
والخوف متعدد الجوانب ومن الصعب إحصاء حالات الرعب والخوف ، وتختلف معاييره تبعا لشخصية الإنسان ، فهذا الذي يرتعب من شيء قد لانجده في شخص آخر ، وذاك الذي يرتعب من أبي بريص ( وهم كثر ) قد لانجد مثل هذه الحالة في إنسان آخر ، وذياك الذي يرعبه منظر الفأر لانجده يرتعب من منظر الأفعى ، في حين أن هناك مواقف عديدة في هذا المضمار ، أمثال منظر الصرصر ، الكلب ، سمك القرش وغيرها كثير ، هذا بالنسبة إلى الخوف من الكائنات الحية ولكن الأمر يتعدى إلى أمور أخرى ، ألا وهو الخوف من أشياء ليس بالكائنات الحية ، فكثير من الناس تصيبهم الرهبة عند تواجدهم في الأماكن المظلمة ، فتراه لا يستطيع المكوث ولو لبضعة دقائق في الأماكن المظلمة لسبب أو لآخر أبسطها إنقطاع التيار الكهربائي عند تواجده في مكان عام أو حتى في بيته بل قل حتى في غرفة نومه وقد ينتج عنها بعض ردود الأفعال مثل الصياح كنتيجة حتمية لحالة الفزع التي يمر بها ، في حين هناك حالات أخرى من الرعب تصب في هذا المضمار ، كالخوف من الأماكن العالية ، أو صوت الريح ، وصوت أمواج البحر المتلاطمة ليلا ، أو عند الإمتحانات كما هو الحال مع نابليون بونابرت صاحب المقولة الشهيرة ( ساحة حرب ولا ساعة إمتحان ) .
حدث ذات يوم أن ذهبنا بصحبة بعض الأصدقاء إلى لبنان قبل بضع سنوات ، ولم أكن أعلم أن أحد أصدقائنا المصاحب لنا في هذه الرحلة ، لديه حالة من الهلع والفزع من الأماكن العالية ، ومصادفة كان المقعد المخصص له في الطائرة مجاورا لأحد شبابيكها ، وطوال الرحلة من مطار البصرة إلى مطار بيروت كان مصفر الوجه ولم يجرأ على فتح النافذة حتى عندما أعلن ربان الطائرة بأننا قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى مطار بيروت وعلينا ربط الأحزمة ، ونتيجة ذلك أدركنا ماكان عليه من رهبة وهو في الأماكن المرتفعة وعلى الرغم من المناظر الجميلة عند اقتراب الطائرة من بيروت وتسارع نظرات الركاب لتك المناظر إلا أن صاحبنا هذا كان مصرا وبكل عزيمة أن لايفتح النافذة ليرى جمالية تلك المدينة ونحن نقترب منها جوا ، وصباح أحد أيام هذه الزيارة ذهبنا إلى جونيا بغية الصعود إلى حريصا ( سيدة لبنان ) هنا استوجب علينا ركوب التلفريك ولم يع صاحبنا هذا ماهو التلفريك ، وتوزعنا على عدد من المقصورات ، وكان صاحبنا هذا معي في نفس المقصورة التي تسع لستة أشخاص ، وما أن بدأت المقصورة بالصعود ، إلا وقد ظهرت على وجه صاحبنا علامة الشحوب والهلع ، حينها حاولت إضفاء جو من المزاح فحاورت صديقا آخر بغية إسماع صديقنا هذا وعلى مبدأ ، إياك أعني وأسمع ِ ياجارة ، وقلت له .. لم نسأل المسؤول عن التلفلريك عن عدد المرات التي حصل فيها انقطاع السلك الناقل للمقصورات ، هنا ثارت ثائرة صاحبنا هذا صارخا وقائلا ، هل هذا الوقت ملائم لمثل هذا السؤال ؟ دعونا نصل أولا ثم اسألوا حيثما بدا لكم ، ولم نتمالك أنفسنا وأعصابنا إلا وقد تناثرت ضحكاتنا موضحين له ، أن ذلك مجرد مزحة ليس إلا ، وأن السلك الناقل لهذه المقصورات مؤمن بشكل تام ، هنا استقرت حالة صاحبنا ، إذ كان تكيفنا وإنشراح صدورنا ونحن في هذه المقصورات قد أعاد التوازن له مما أدى إلى ارتياحي العالي لشعوري بالذنب لسؤالي هذا والذي بدا له من المزاح الثقيل .
ولو دققنا في حالات الفزع والرعب لوجدناها مختلفة مابين الأنام ، وبعضها كان من غير الملفت للنظر في حين كانت هناك الحالات المستساغة للقناعة بأنها ذات شأن في الرعب والتخوف منها كثيرة ، ومن هذه الحالات ، مضغ العلكة كما هو الحال مع أوبرا ويفري ، ومنظر الخنزير كما هو الحال مع الممثل أولاندو بلوم ، في حين كانت الممثلة نيكول كودمان ترتعب من منظر الفراشات سواء كانت واقفة عن قرب منها أو وهي تطير ، بينما كانت

قوة رنين الهاتف مقلقة ومرعبة إلى الممثلة هيلين ميرين والأمر الغريب أن كاميرون دياز التي وظفت عاملا مختصا لفتح الأبواب لها ، إذ كانت ترتعب من أقفال الأبواب ، ولنا أن نتصور قادة عسكريين يرتعبون من القطط أمثال نابليون بونابرت وأدوولف هتلر وموسوليني ولو دققنا في التاريخ لوجدنا أن يوليوس قيصر كان هو الآخر يرتعب من القطط ، في حين كان موسيقار الأجيال ، الفنان القدير محمد عبدالوهاب يرتعب من صعود الطائرة ، اليس ذلك من المفارقات الغائبة عنا ؟ وبالتأكيد وأنتم تقرأون هذه السطور ، لكم مالكم وعليكم ماعليكم مثل هذه الحالات والله أعلم .

ســــــــعد عبدالوهاب طه

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد