الوفاء والإعتراف بالمعروف

الوفاء والإعتراف بالمعروف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلما يتقدم بنا العمر وفي لحظات الهدوء نستذكر ما نستطيع أن نتذكره وحتما هناك من المسرات ما أسرتنا ومازالت تسرنا في حاضرنا وكذلك فيها من الأحزان ما احزنتنا في وقتها وما زالت تحزننا عند استذكارها في يومنا هذا ، ولكن هناك كثير من المواقف التي مرت بنا ، فيها كثير من العبر والحكم ومن الواجب علينا أن نتدبر أمرنا في التعايش معها أو التطبع مع أحداثها ، وكم مرت علينا أحداث كان لنا فيها مساعدة الآخرين أملا وغاية أو كنا في أمس الحاجة لمساعدة الآخرين لنا ، وبالفعل حدثت هناك أمور من الواجب علينا تذكرها أولا والإعتراف بجميل من أداها لنا ثانيا ، وأنا العبد الفقير إلى الله مررت بأحداث كثيرة من هذا النوع سواء وقعت عليّ أو ساعدت الآخرين عليها ، وما زلت أتذكر وأنا حدث بعمر الثاني عشر من عمري أن حدثت معي حادثة وحسب تصوري في حينها حسبتها كارثة لصغر عمري ، إذ بعد نجاحي من الصف الخامس الإبتدائي في مدرسة باب سليمان وهي من مدارس أبي الخصيب ، كانت العائلة قد تهيأت وحزمت أغراضها للإنتقال والإقامة الدائمية في مركز البصرة للعام الدراسي 1967 ــ 1968 وعليه وجب إجراء نقل الدراسة إلى مركز البصرة فكانت مدرسة صفي الدين الحلي في العباسية التي تقع في منتصف الطريق مابين العشار والبصرة القديمة والمحاذي إلى نهر العشار ، ولعدم إكتمال بناء بيت المستأجر لبيتنا الجديد في مركز البصرة جعله ناكصا لوعده في إخلاء الدار لنا ، مما استوجب عليّ الذهاب والإياب من وإلى أبي الخصيب بشكل يومي من أجل استمرارية الدراسة ، وهذ الأمر اعتبرته من أصعب الأمور في حينها إذ كانت لا تتجانس مع مرحلتي العمرية ، لا لسبب إلا لوجوب المسير من محلة جلّاب نحو مركز القضاء سيرا على الأقدام قاصداً مرآب العجلات التي تنقلنا إلى مركز العشار ، وهناك نوعان من العجلات اما الصالون ( التورن ) أو الباص الخشبي ، وعلى الرغم من أن اجرة عجلات الصالون كانت ضعف اجرة الباص الخشبي إلا أن قرار والدي كان ملزما أن يكون تنقلي بوساطة عجلات الصالون لسببين ، الأول انها مريحة قياسا للباصات الخشبية والثاني انها أسرع مما عليه في الباصات ، ولم تكن هذه الباصات بطيئة بهذا المعنى وإنما يرجع هذا الأمر إلى كثرة الركاب الذين يصل عددهم إلى ثمانية عشر راكبا مما سيؤدي إلى نزول بعضهم وصعود بعض آخر منهم بشكل مكثف ومستمر نتيجة لإزدحام المناطق والقرى الواقعة على إمتداد الطريق الواصل بين أبي الخصيب ومركز العشار ، وعند وصولي إلى مرآب العشار ( الذي يقع على الضفة المقابلة لشارع الكويت من نهر العشار مجاورا لعمارة النقيب ( التي تم هدمها في وقت سابق واليوم تم بناء مرآب حديث متعدد الطوابق لوقوف السيارت مكاسرا لمكانها ) وكان عليّ العبور إلى الضفة الأخرى من نهر العشار وبالتحديد بداية شارع الكويت متجها نحو سيارات الإجرة ( الصالون ) لأستقل إحداها منطلقا بـإتجاه البصرة القديمة قاصدا مدرستي الواقعة في منتصف الطريق ، كانت نقطة نزولي هي مدرسة الأرمن ومن هناك أعبر جسر العباسية الخشبي على نهر العشار ومن ثم عبور الشارع الراجع من البصرة إلى العشار لألج منطقة العباسية السكنية متجها نحو مدرستي الواقعة في مدخلها ، ولكن حدث ذات يوم وعند وصولي إلى المدرسة وكان الدوام عصرا في حينها ، حصل مالم يكن بحسباني ، إذ فقدت محفظتي وما تحتويه من مصروفي اليومي وكرد فعل لما حصل وبنتيجة صغر عمري ذهبت في نوبة بكاء طفولية غير مسيطر عليه ، ولم يكن حزني على فقدان مصروفي بقدر ماكنت أفكر عن كيفية العودة إلى عائلتي وأنا أصبحت لا أملك ثمن أجور العودة ، فمر بيّ أحد المعلمين بعد إنتهاء دوامه في مدرسة الزهاوي وأسمه عبدالسلام الهاشم ( الدوام المزدوج مع مدرسة صفي الدين الحلي ) الذي وقف مستفسرا عما يبكيني ، فعلم من بقية الطلاب صلب مشكلتي وفي تلك اللحظة كان هناك معلمٌ آخر من معلمي مدرسة صفي الدين الحلي عبدالسلام القيسي قد قدم للتو إلى المدرسة وعلم مابي من مشكلة فأشترك الاثنان في حلحلة مشكلتي وتيسير أمري ، وبعد الإستفسار مني عن ثمن الإجرة أخبرتهم بأنها عشرون فلسا إجرة الوصول إلى العشار ، وستون فلسا إجرة الوصول إلى أبي الخصيب ، فما كان من هذين المعلمين إلا أن يتشاركا في تعويضي عما فقدته بمبلغ مائة فلس ، وبالتالي تمت السيطرة على بكائي بعد إدراكي ضمان العودة إلى عائلتي ، وفي اليوم التالي كنت في إنتظار هذين المعلمين لتسديد مابذمتي إلا أنهما رفضا رفضاً باتا وقاطعا من أخذ دينهما مما جعلني في موقف لا أحسد عليه لحراجة موقفي ، ولكن ماحيلة المضطر ، فقبلت الأمر إضطرارا وإلى يومنا هذا كم رجوت الله أن يمن علي أن أسدد ذلك الدين لهما كأن يكون إسداء عمل ما ، ولكن لم تحن الفرصة لحد الآن على الرغم من لقائي معهما بشكل مستمر إلى يومنا هذا وأستذكر معهما تلك الحادثة ولكن لم أجد الفرصة المناسبة لأرد جميلهما .
وما نقل لي من أن هناك أستاذا جامعيا رحمه الله تدرج في المناصب الإدارية إلى أن وصل إلى رئيس جامعة ، هذا الدكتور كان كلما يلتقى استاذه د.علي جواد الطاهر فـإنه يسارع في تقبيل يده ، ليس من باب العبودية أو التقديس ، وإنما من باب الإحترام والتقدير العالي لمكانته العلمية من جهة ورد الجميل من جهة أخرى ، ولنقارن هذين العملين مع أمر آخر حصل معي ذات يوم من الأيام ، إذ طرق بابي أحد الأصدقاء طارحا عليّ مشكلة أحد الشباب من معارفه الذين كانوا مقيمين في الكويت وقد ارتحل إلى العراق بعد أحداث عام 1990 وملخص مشكلته إنه بحاجة إلى ثلاث قناني دم لشقيقته التي على وشك إجراء عملية جراحية لها وهي بأمس الحاجة لهذا الدم وهو لايقوى على شرائه ، والمتوفر منه في حينها قنينتان إحداهما من الشخص المعني والثانية لصديقي هذا ، وقبل أن يكمل حديثه أجبته على الفور ، والثالثة عندي ، فـاتفقنا على هذا الأمر ، وذهبنا نحن الثلاثة إلى مصرف الدم وحال ولوجنا مواجهين الشخص المسؤول ، وافق على سحب قنينة دم من صديقي وأخرى مني ولم يوافق على سحب قطرة دم واحدة من شقيق المريضة

من شقيق المريضة ، بسبب اصفرار بشرته على حد تعبيره ، وتبرعنا له بالدم عن طيب خاطر وتقرباً لوجه الله وخرجنا إلى حيث أتينا ، ومرت الأيام وذات يوم كنت في زيارة إلى بيت شقيقي مستأجرا سيارة لوجود عطل في سيارتي وغادرت بيت أخي مساءً قبل حلول المغرب ، فأستوقفت سيارة أجرة لتقلني إلى بيتي ، فسألت سائقها عن ثمن الأجرة ولكنه لم يحددها بل قال لي اصعد وسوف لن نختلف وأن هذا الأمر في غاية البساطة ، وعند وصولي إلى داري سألته عن ثمن الإجرة ، أجابني بأنها حسب ما أرتأيه ، فلم أوافقه ، طالبا منه تحديدها من قبله ، فلم يتردد بالقول سوى أن قيمتها حسب مزاجي لأني صاحب فضل عليه في يوم ما ، حينها سألته وهل تعرفني ، أجابني على الفور ، نعم لأني تبرعت له ذات يوم بالدم ، وما أن سمعت ماقاله حتى مددت يدي في جيبي وأخرجت له أجرته ضعف إستحقاقه وكأني أشكره على جميل صنيعه ولطفه معي .

ســــــــــعد عبدالوهاب طه

 

 

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد