قصص قصيرة/ عماد أبو زيد – مصر

 

(1) خشبةُ المسرح ِ

على مقربةٍ من سينما قصر الثقافة، لفتَتْ نظري بنت جميلة، ترتدي بلوزة سوداء، اجتذبني إليها بروز نهديها، وابتسامتها العريضة. حَفزتُ خُطايَ على الاقتراب منها، وأنا أعبر الشارع. عندما أصبحتُ أمامها تأكد لي أنها لم تكن أبدًا أُنثى.

آخر مرة شاهدتُ في سينما قصر الثقافة فيلمًا عن الحرب العالمية الثانية، لا أذكر اسمه الآن.

صخب،”مزيكا”، كانتْ شاشة السينما مرفوعة. برجان خشبيان يحاكيان بنيِّة حمام ، يشكلان كتلة ضخمة في فراغ المسرح. أظن أنها بروفة لمسرحية ما، القاضي في مواجهتنا، يتحدث بلغة عربية ركيكة:

– محكوم عليكم بالإعدام.

للوهلة الأولى انزعجنا. وضعنا الابتسامة على شفاهنا، حين تبين لنا أنه يخاطب نفرًا، يتشارك معهم التمثيل، جاءوا من خلفنا، وقد كُبِّلتْ أياديهم في الحديد، وأحاط بهم العساكر.

(2) شجـــــرُ الزيتون ِ

انتحى جانبًا، وقعد على كومة تراب يحدثنا. بين جملـــة وأخــرى تجري على لسانه، يجذب نفسًا من سيجارة بين إصبعيه، والجندي الإسرائيلي يتحرك بمنشار كهربائي وسط أشجار الزيتون.

دمعاتهُ المُنسابة على خديه أبلغ تعبير عن شراسة قهر يفتك بالرجولة، وخسارة نقود كان ينتظرها مع مطلع كل “طرحة” زيتون، وهجرة أرض يحتفظ بحجتها في جيبه، لا يشفع أنهُ أعطاها من سر وجوده الاخضرار.

حزنٌ يتجرعهُ، وهـمٌ مُقدر أن ينوء بهِ، حتى يهتدي إلى موئلٍ لإطعام أولاده.

(3) فتنةُ الموجة ِ

في إحدى مباريات كرة القدم لفريقين في دوري الدرجة الثانية، كان بعض الجمهور يتحلق حول الملعب، وكنتُ واحدًا بينهم، بينما كان البعض الآخر يتابع أحداث سير المباراة من الشارع؛ فدرجة ارتفاعه عن أرض الملعب لا تزيد على مترين، مما كان يتيح لهم الاستمتـــاع بمشاهدة المباراة جلوسًا أو وقوفًا. ربما كان مـن أحلامنا للنادي بناء مدرجات، ومؤازرة الفريق الأول للنادي منها، إِلاَّ أننا لم نكن نعدها من أولويات اهتماماتنا؛ فأرضية الملعب غير مستوية، وحمامات المياه غير متوافرة. مبلغنا فقط أن يحظى اللاعبون بالرعاية، وينالوا مستحقاتهم المادية؛ كي لا يهدد الفريق شبح الهبوط في دوري الدرجة الثالثة.

كانت الأداة المعينة في حفظ النظام، لدى قوات الأمن العسكري هي الهراوات. صار الوجود الأمني المكثف في مثل هذه الأمور دليلاً على الاهتمام، وربما تحسبًا لضلوع الجمهور في أشياء أخرى، تثير ذعر المسئولين. الهراوات كانت تشكل من أجسادنا موجات، تمتد تارةً نحو الملعب، وتنحسر تارةً بمجرد ملامستها لها، ودون ذنب تحملتْ ساقي ضربة.

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد