الكبرياء الفارغ

الكبرياء الفارغ
ــــــــــــــــــــــ
من الأمور المهمة في حياة الإنسان هي الإعتداد بالنفس المبنية على أساس الثقة العالية بالذات وصولا إلى العزة والكرامة التي تبني الإنسان بناءً خلاقا لتكون له نظرة إجتماعية متفردة بين أقرانه في ذات المجتمع ، إلا أن هناك نفر منهم يعيش بيننا بنرجسية عالية وكبرياء ظاهر للعيان لا لصفاته الحقيقية بل متحديا واقعه للظهور وحسب ماتقتضيه مصلحته بهيأة بعيدة كل البعد عن واقعه وإمكانياته الحقيقية في جميع مفاصل حياته ويحسب لنفسه التميز على أقرانه بواقع خيالي غير حقيقي لاتمت إلى صفاته وإمكانياته بأي صلة وكل ذلك في سبيل أن يكتسب مكانة اجتماعية يتفرد بها عن سائر الناس في سبغة موهومة .
ومن واقع عملي مرت عليَّ حالات كثيرة من نوعية هذا البشر ، منها كان لي هناك زميل مهنة برتبة عسكرية ، هذا الزميل معروف بالتبجح ، لاينظر الى رتبته التي على كتفه بل يتمشدق برتب الآخرين محاولا أن يجعل من نفسة شخصية مرموقة مابين ضباط الرتب العالية مستعينا بسمعة والد زوجته الذي كان برتبة عميد في الجيش العراقي ، وكثيرا ماقدم نفسه إلى الضباط من ذوي الرتب العالية على أنه صهر العميد فلان ، ظنا منه أنه سيحصل على مكانة مرموقة بينهم وراح في أوقات إجازته من زيارة هؤلاء الضباط في مساكنهم مستصحبا زوجه في زياراته هذه ، والحق يقال أن هؤلاء الضباط كانوا متذمرين من هذه العلاقات الزائفة وكثير منهم كشفوا لي تذمرهم من تلك الزيارات التي ليس لها مبرر لا لشيء وإنما لسبب أنه ليس من اعمارهم ولا زميل دراسة لهم ولاحتى من دوراتهم التي تخرجوا فيها لذا أصبح فارق الرتبة والعمر والمستوى الوظيفي لايتجانس مع مشروع بناء علاقة إجتماعية التي أراد منها أن يبين لأقرانه من نفس الرتبة ، أنه شخصية مهمة وبالتالي كانت له مكانة إجتماعية مائزة مع هؤلاء الضباط من كبار الرتب لذلك كان يعيش حياة زائفة وجميع أقرانه أدركوا هذه الحقيقة ، وذهب أحدهم إلى القول من أن هذا الرجل يستصحب معه زوجه في تلك الزيارات ، مما ينبغي حظور زوجته بالمقابل وحسب ماتقتضيه آداب إستقبال الضيوف ، وهذا غير معقول لأنه لاتوجد قاعدة مشتركة في التفاهم معهما ، وعن أي موضوع سيتم فيه نقاش المجاملة ؟ بالإضافة إلى أنه من قال له بأنه يريد مخالطة زوجه للرجال ؟ في حين حدثني آخر وكان ذو رتبة عالية بمنصب آمر طبابة القاعدة العسكرية بأنه كان مع زوجه وأبنائه خارجين من بيتهم وعند الباب فإذا بهذا الرجل وزوجه يتوقفان بسيارتهما أمامهم فكانت بالنسبة له مفاجئة مقيتة فلم يتحرج من الإعتذار من إستقبالهما مبررا ذلك من أنهم خارجين لموعد مهم .
ذات يوم وكنا على أبواب السادس من كانون الثاني وحسب ماهو معروف أنه يوم عيد الجيش وفيه يتم ترقية الضباط مستحقي الترقية إلى رتبهم الجديدة ، حينها كان قد التحق من إجازته وذهب يشرح لنا أن وزير الدفاع إتصل بعمه هاتفيا مهنئا له لنيله رتبة اللواء وأنه سيرسل له ظرفا فيه رتبة لواء وهي الرتبة الجديدة لعمه ( إذ أنه كان يدرك استحقاق عمه لرتبة اللواء ، ولكنه يجهل تماما أن هذه الرتبة لايحصل عليها أيـّا كان إلا بعد استحصال موافقة المراجع العليا بالإضافة إلى وجوب وجود ملاك خاص يؤهله للترقية عليه ) ثم أضاف أن الوزير قال له ( لعمه ) بالحرف الواحد كيف حال أبو فلان ؟ فأدهشنا قوله وتساءلنا عمن يكون هذا أبو فلان ؟ أجابنا وعلى الفور وبكل سرور وإنشراح للصدر ؛ أنه هو المقصود ؛ إذ أراد من هذا الطرح أن يبين لنا مكانته الإجتماعية والعسكرية مابين كبار قادة الجيش ونحن نعلم جيدا أنه كاذب ومراوغ ليس إلا .. وفي صباح السادس من كانون الثاني لتلك الأيام ، أراد أن يتبختر أمامنا من أنه سيتصل بالسيد اللواء ( عمه برتبته الجديدة ) عندها تكلم وهو منفرج الأسارير وارتياح شديد مع احد افراد أسرة عمه ، متسائلا عن أحوال اللواء ، فإذا بوجهه يكفهر وكاد أن يسود إذ كانت لهذه المكالمة صدمة كبيرة عليه بعد معرفته بأنه لم تحصل الموافقة على تلك الترقية المزعومة ، وحينها سألناه ، هل الوزير لايعلم من ترقية عمه إن صح إدعائه بأن الوزير كان قد إتصل بعمه مهنئا له بالرتبة الجديدة ؟ فلم يتفوه ببنت شفة حينها أدرك من أن كذبته قد إنكشفت وفتحت أبوابها على مصراعيها لتبيان الحقيقة ، ولن تنطلي علينا .
وفي وقت متأخر كنت أشغل آمرا لأحد الأفواج ، وكما هو معروف كان من ضمن ملاك الفوج ضابط استخبارات الذي كان يشغله أحد الضباط برتبة صغيرة من صنف المشاة لعدم وجود ضابط اختصاص استخبارات في الفوج ، إلا أن هذا الضابط كان هو الآخر كثير التبجح من أنه يعلم من الأمور والأسرار العسكرية الشيء الكثير وإنه على إتصال دائم مع كبار الضباط في مديرية الإستخبارات العسكرية ، ونحن نعلم جيدا من أنه يثرد بصف الماعون ، ولكن تركناه في حاله لأنه يرى في ذلك وحسب اعتقاده أنه سينظر إليه بـإحترام خاص ، وحدث أن تم إستدعاء أحد الضباط إلى تلك المديرية ولم يعد لفترة قاربت الستة أشهر ، وذات يوم جاءني في مكتبي لأخذ نموذج إجازته حينها سألته عما يعرفه من أخبار عن هذا الضابط الذي تم استدعائه ولم يعد ، فأجابني بكل ثقة واقتدار وكأنه لاتخفى عليه خافية وعالم ببواطن الأمور من أن ذلك الضابط المعني في وضع حرج وقضيته منتهية تماما نحو الهاوية ، ولم يكمل كلامه حتى سمعت طرقات خفيفة من قبل أحد الأفراد على باب مكتبي طالبا الإستئذان في الدخول هنا حصل مالم يكن بالحسبان من أمر قبل أن ينتهي من كلامه ، إذ أذنت للطارق بالدخول ، فإذا بالمفاجئة تنزل عليه كالصاعقة ، فكان ماكان عندما دخل علينا هذا الضابط المعني مبتسما بكامل قيافته العسكرية التي سبق وأن تميز بها وبانت الفرحه على محياه وهو يسلم علينا وتسلمت منه كتاب عودته إلى الفوج ، فـإذا بصاحبنا يقبض بقوة على نموذج إجازته ولم يدخر وسعا إلا أن يلم أنفاسه المتقطعة نتيجة تلك الصدمة المفاجئة مستئذنا باستئناف إجازته الدورية ؛ حينها تذكرت أبيات شعرية للشاعر القدير إيليا أبو ماضي حينما قال …

نسي الطين ساعة إنه طين
حقيــر فصال تيــها وعربـد
وكسى الخز جسمه فتباهى
وحـوى المال كيـسه فتمرد

نعم هذا التباهي في غير محله الذي يجعل كثير من الناس في مواقف لايحسدون عليها وقد يلتجأ كثير منهم إلى الكذب في سبيل أن يثبتون إدعاءاتهم وكما قيل أن حبل الكذب قصير .

 

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد