السلام على معز المؤمنين

■ *السلام على معز المؤمنين*■
🖋️ *الشيخ محمد الربيعي*
اعظم الله اجركم بذكرى استشهاد  الإمام الحسن بن عليّ بن أبي طالب(ع)، ولا بدَّ لنا أمام هذه الذكرى، من أن نطلّ على الأجواء التي كان يحشدها رسول الله(ص) في  وجدان الأمّة، من أجل أن يعمّق حضور هذين الإمامين (الحسن والحسين) في أعماقها، كانطلاقة تهيّئ السّاحة المستقبليّة لهما، على أساس أن يكونا في موقع القيادة التي توجّه الأمَّة إلى الصّراط المستقيم.
▪︎مقدمة الاولى :
يروي رواة السنّة والشيعة، أنّ رسول الله(ص) قال: “الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة”، وعندما نستنطق هذه الكلمة، فإنّها تعني أنّ كلّ ما قام به الإمام الحسن(ع)، فإنّه يمثّل الشرعية الإسلامية بكلّ مفرداتها، وأنّ كلّ ما قام به الإمام الحسين(ع)، يمثّل الخطّ الإسلامي بكلّ استقامته، لأنّ مَن كان سيّداً لشباب أهل الجنّة، لا بدَّ من أن يكون معصوماً في فكره وفي حركته وفي كلِّ منطلقاته، وفي الجنّة يوجد الّذين اصطفاهم الله تعالى للقرب منه.
ومن هنا، فإنّنا لا نحتاج إلى الكثير من التّحليل لنعرف شرعية صلح الإمام الحسن(ع) في دائرة الظّروف التي عاشها، وثورة الإمام الحسين(ع) في دائرة التحدّيات التي واجهها.
▪︎المقدمة الثانية :
شهادة الرّسول(ص) في الحسن(ع)
ثم ننطلق لنسمع من رسول الله(ص) فيما رواه السنّة والشيعة: “اللّهم إنّي أُحبّهما، فأَحبَّهما وأحبَّ مَن يُحبِّهما”، وهناك رواية أخرى تقول: “مَن أحبَّهما فقد أحبّني، ومَن أبغضهما فقد أبغضني”، وهكذا نقرأ، كما في (أسد الغابة) عن ابن أمّ سلمة عن أمّ سلمة، أنّ هذه الآية {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، نزلت على النبيّ(ص) في بيت أُمّ سلمة، فجاء بكساء، ودعا حسناً وحسيناً وفاطمة، والتفّوا به وعليّ خلف ظهره، فقال: “اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرّجز وطهّرهم تطهيراً”، وقالت أمّ سلمة: هل أنا منهم؟ قال: “إنّك على خير”.
في هذا الجوّ، نستطيع أن نطلّ على هذين الشّخصين اللّذين لم تنطلق كلمات رسول الله(ص) بحقِّهما من إحساس عاطفي في احتضان الجدّ لسبطيه، لأنّه كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فللنبيّ إحساسه العاطفي، والعاطفة هي من صفات الإنسان في عمق إنسانيّته، ولكنّ تقييم الأشخاص لا يمكن أن ينطلق من عاطفة نبيّ أراد الله له أن يقول الحقّ حتى في أقرب الناس إليه، وقد قال الحقّ ممّا أوحاه الله إليه في عمّه أبي لهب {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}. ولذلك، فعندما يتحدَّث النبيّ(ص) عن سبطيه بحديثٍ فيه القيمة كأرفع القيمة، وفيه المحبَّة كأعمق المحبّة، فإنّنا لا نجد في ذلك إلّا معنى الحقيقة في معناه، وإلاّ عاطفة الحقّ في عاطفته.
▪︎المقدمة الثالثة :
قد يتحدَّث النّاس، ونحن في هذا الموقف، قبل أن نطلّ على مسألة الصّلح، عن أنَّ الحسن (ع) كان الإنسان المسالم الّذي لا يعيش في شخصيّته معنى التحدّي، وربّما تطرَّف بعض النّاس فقالوا، وبئس ما قالوا، إنّه كان يعيش الضّعف في شخصيّته، لأنّ هؤلاء درسوا مسألة الصّلح ولم يدرسوا ما قبله!
إنّني أدعو كلّ الباحثين من أجل أن يتعرّفوا إلى شخصيّة الإمام الحسن (ع)، في إرادة القوّة في كلّ كيانه، وفي العنفوان الإسلاميّ في كلّ عقله، وعندما نقرأ الرّسائل التي تبادلها مع معاوية، ونقارن بينها وبين الرّسائل التي دارت بين عليّ (ع) ومعاوية، فإنّنا لا نجد أيَّ فرق في كلمات القوّة والمسؤوليّة والوعي والرساليّة والتحدّي والعنفوان الإسلامي، ولو أنّك أزلت كلمة الإمام الحسن عن هذه الرّسائل، ووضعت بدلها كلمة الإمام عليّ، لرأيت أنّ الرّسالة هي رسالة عليٍّ، ما يجعلنا نكتشف في شخصيّة الإمام الحسن (ع) الشخصية القويّة بالحقّ، والشخصية المتحدّية للباطل، والشخصيّة التي تعرف كيف تردّ التحدّي، وتعرفُ كيف تحرّك أسلوب العنف في الجدال من دون أن تبتعد عن الخطّ الإسلاميّ في كلّ مفرداتها، لأنّ الإنسان إذا عاش العنف، ينسى الخطوط الهادئة، ولكنّك ترى الإمام الحسن (ع) يعنف في الموقف، في الوقت الذي تراه مسؤولاً في كلماته، بحيث لا تشعر بأنّ هناك أيّة حالة من الانفعال.
لذلك، لم يكن الإمام الحسن(ع) ضعيفاً، ولم يكن مسالماً من خلال طبيعة هذه الحالة النفسيّة التي تمثّل المسالمين الذين لا يحبّون الدخول في ساحة الصّراع، ونحن نعرف أنّ الحسن (ع) دخل ساحة الصّراع بكلّ قوّة، وعمل على أن يستكمل من أجل الحقّ ما بدأه أبوه عليّ (ع)، ولكنّ المشكلة التي واجهت عليّاً في آخر أيّامه من خلال هذا الاهتزاز في جيشه، عادت لتتمثّل في أقسى ما يكون في جيش الحسن (ع).

فالأسلوب الحسنيّ هو أسلوب حسينيّ في مرحلة الحسن، والأسلوب الحسينيّ هو أسلوب حسنيّ في مرحلة الحسين، لأنّهما يغرفان من نبعٍ واحد، ولأنّهما ينطلقان من خطّ واحد، ونحن نعرف أيضاً أنَّ حركة الإنسان الرساليّ لا بدَّ من أن تدرس الظروف الموضوعيّة، لتختار سلماً هنا أو حرباً هناك، لأنّ للحرب نتائجها الإيجابيّة أو السّلبية، وللسّلم نتائجه الإيجابية أو السلبية…
ومن هنا وبعد هذه المقدمات نقول كان لزام على الامة ان تكون مؤمنة ايمان تام ان كل خطوات الامام الحسن ( ع ) ، هي تصب في مصلحة الامة سواء اتضحت تلك المصلحة لها ام لم تتضح باعتبار العدالة من اساسيات الامامة و القيادة و لذلك يرد سلام الله عليه على ظلامة مذل المؤمنين كما جاء عن الامام الصادق عليه السلام : إن الحسن بن علي (عليهما السلام) لما طعن واختلف الناس عليه سلم الأمر لمعاوية، فسلمت عليه الشيعة ” عليك السلام يا مذل المؤمنين ” فقال (عليه السلام): ما أنا بمذل المؤمنين، ولكني معز المؤمنين، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الأمر لأبقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لأصحابها، وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم
محل الشاهد:
فكيف صنع الله شخصيّة الإمام الحسن(ع)، بقطع النظر عن اللّطف الإلهيّ الداخلي الذي يتميّز به كلّ إمام؟ لقد عاش طفولته الأولى مع جدّه المصطفى(ص)، وينقل بعض كتّاب سيرته من العلماء من غير الشيعة، أنّ الحسن وهو ابن سبع سنين، كان يحضر مجلس رسول الله(ص) في المسجد، ويستمع إلى ما يلقيه النبيّ(ص) من وحيٍ وما يشرحه، فيحفظ ذلك، فيأتي إلى أمّه فيلقيه عليها، فيأتي عليّ(ع)، وإذا بالزهراء تحدّثه بكلّ ما حدّث به رسول الله(ص)، فيقول ما مضمونه، فمن أين لكِ هذا؟ قالت: هذا ابني يحدِّثني بذلك، ما يدلّ على وعي منفتح وحافظة عظيمة.
ثمّ عاش بعد ذلك مع أبيه عليّ(ع) ومع أمّه فاطمة(ع)؛ الإنسانة التي تمثّل قمّة الفضائل، وقمّة الوعي، وقمّة العبادة، وقمّة الصّدق، وقمّة المسؤولية، وقمّة الشجاعة في الحقّ، وقمّة الأمومة في كلّ متاعبها وتضحياتها، وقمّة الاحتضان لأبيها بكلّ روحها وعواطفها، فلقد عاش الحسن معها، وروى عنها أنّها كانت تقوم الليل حتى تتورّم قدماها. وكانت تدعو للمؤمنين والمؤمنات، ولم تدعُ لنفسها، مع أنّها كانت تعاني ضعف البدن، فقال لها وهو في طفولته الأولى في السّابعة من عمره، أو أقلّ من ذلك: يا أمّاه، إنّ الإنسان ينتهز فرصة إقباله على ربّه وتوجّهه نحو ربّه بكلّ حاجاته، إنّني أراكِ تستحضرين حاجات المؤمنين والمؤمنات وآلام المؤمنين والمؤمنات، وأحلام المؤمنين والمؤمنات، فأين آلامك في دعائك، وأين أحلامك وأين مشاكلك؟ “لمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟”، قالت: ـــ وتلك هي القيمة التي تمثّل الإنسانية بأسمى معانيها ـــ : “يا بنيّ، الجار ثمّ الدّار”.
إنها تقول ـــ بلسان الحال ـــ نحن نفكّر في الآخرين أولاً، ونفكّر في أنفسنا ثانياً، ونهتمّ بآلام النّاس ومشاكلهم وقضاياهم، ونطلب من الله أن يغمرهم بلطفه، ثمّ بعد ذلك، قد نفكّر أن ندعو لأنفسنا، يقول الله تعالى في مدحهم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}.
وهكذا، اختزن(ع) كلّ تلك الروحانيّة الفاطمية في قلبه وعقله وفي حياته، ثمّ استمرّ بعد ذلك مع أبيه، وعاش تلك الأحداث الصّعبة التي واجهها المسلمون في قضية الخلافة، ورأى كيف أنّ أباه يصبر، وكيف ينفتح على الواقع الإسلاميّ، وسمع أباه وهو يقول: “فخشيت إنْ لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثَلَماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم هذه، التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان، كما يزول السّراب، أو كما يتقشّع السّحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنَّ الدين وتَنَهْنَهْ”، وعرف من أبيه أنّ الإنسان إذا وقف بين حقّه، وإن كان حقّه حقّ الأمّة، وبين مصلحة الإسلام والمسلمين، فإنّ مصلحة الإسلام والمسلمين تتقدّم، لأنّ حقّه إنّما هو لأجل الإسلام والمسلمين.
وهكذا سمع أباه يقول: “لأسلمنّ ما سلِمَت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلّا عليّ خاصّة”، وسمعه يقول: “لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود النّاصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّةِ ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيتُ حبلها على غاربها، ولسقيتُ آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أهون عندي من عفطة عنز”.
ولقد استوعب الحسن(ع) ذلك كلّه.. فلقد كان مع أبيه في صبره، وكان مع أبيه في انفتاحه حتى على الذين تقدّموا عليه، لأنّ القضيّة كانت قضيّة الإسلام لا قضية الأشخاص، حتى إذا تسلّم أبوه الخلافة، وثارت المشاكل في وجهه، كان الحسن(ع) في المستوى الكبير من الحكمة ومن الوعي ومن الفقه ومن دراسة الأمور، بحيث أرسله أبوه إلى الكوفة من أجل أن يحلّ المشاكل الصّعبة آنذاك، التي وقفت معترضةً خلافة الإمام

عليّ(ع)، وهكذا كان أبوه يعتمده في حلّ كلّ المشاكل الفقهيّة التي كان الناس يسألونه عنها، فكان يرسلهم إلى الإمام الحسن(ع).
محل الشاهد :
عاش مع أبيه حياةً استطاع من خلالها أن يأخذ كلّ عليٍّ في عقله، وأن يأخذ كلّ عليٍّ في قلبه، وأن يأخذ كلّ عليٍّ في روحه وفي شجاعته وفي أخلاقه، حتى مضى عليٌّ(ع) إلى رحاب ربّه، وتسلّم الخلافة في ظروف من أصعب الظّروف التي تمرّ على إنسان، فلقد كانت السّاحة مزروعةً بالألغام كما يُقال في هذه الأيّام، وكانت الساحة النفسية والساحة الاجتماعية والساحة السياسية لا تملك الكثير من عمق الوعي المسؤول، ولا تملك الكثير من الرّسالة المنفتحة على الله، بل كانت ساحةً استطاعت أن تزحف إليها كلّ الطفيليّات، وأن تسيطر عليها كلّ الانحرافات، فواجه الموقف بكلّ قوَّة.
محل الشاهد :
ومن هنا واستكمالا لسبب الصلح الذي اجراه الامام الحسين ( ع ) مع معاوية هو وضع الجيش انذاك
فلقد كان قسم من جيشه من (الخوارج) الذين اندفعوا معه لا حبّاً به، ولكن لأنّهم يريدون قتال معاوية بأيّة وسيلة ومع أيّ شخص، ولقد كان بين جيشه الأشخاص الّذين دخلوا من أجل الغنائم، وكان بينهم الأشخاص الذين عاشوا مع عصبيّات عشائرهم التي كان يحرّكها زعماؤهم الذين كانوا يبحثون عن المال وعن الجاه، وكانوا يريدون أن يفسدوا على الحسن جيشه، وكان بين جيشه ومن قيادته، بعض أقربائه الذين أرسل إليهم معاوية مالاً، فتركوا الجيش من دون قيادة، وكانت رسائل الكثيرين تذهب إلى معاوية: “إن شئت سلّمناك الحسن حيّاً أو ميتاً”، وكان معاوية يرسل بذلك إليه، واختبر جيشه، ورأى كيف حاولوا أن يقتلوه. لذلك، لم تكن للحسن(ع) ظروف الحسين(ع) من خلال المرحلة، ومن خلال طبيعة الجيش، ولم تكن الأجواء تسمح بأيّة حركة مشابهة لحركة الحسين، لأنّ المعارضة سوف تسقط 100%، وكان الإمام الحسن يريد للمعارضة أن تبقى من أجل أن تفتح وعي الأمّة على الحقّ، ولذلك، لم يكن الصلح اعترافاً بشرعيّة معاوية، وإنّما كان واقعاً درسه الإمام الحسن(ع) من خلال السّاحة كلّها، ومن خلال المرحلة كلّها، ومن خلال طبيعة جيشه، ومن خلال النّتائج التي لو استمرّ الإمام الحسن(ع) في الحرب، فسوف لن تكون في مصلحة القضية، بل ضدّها.
ونحن نعرف أنّك إذا أردت أن تدخل في عملية استشهادية أو ما يشبه ذلك، فلا بدّ لك من أن تفكّر في النتائج الإيجابية في عمليّتك، أمّا إذا كانت النتائج سلبية، فإنّ السير مع هذه العملية يكون ضدّ الرسالة والقضيّة، وهكذا قيل بأنَّ ثورة الحسين(ع) كانت صدىً لصلح الحسن(ع)، ونحن ضدّ من يطرح أنَّ هناك أسلوباً حسنيّاً في السّلم، وأنّ هناك أسلوباً حسينيّاً في الثّورة، فالأسلوب الحسنيّ هو أسلوب حسينيّ في مرحلة الحسن، والأسلوب الحسينيّ هو أسلوب حسنيّ في مرحلة الحسين، لأنّهما يغرفان من نبعٍ واحد، ولأنّهما ينطلقان من خطّ واحد، ونحن نعرف أيضاً أنَّ حركة الإنسان الرساليّ لا بدَّ من أن تدرس الظروف الموضوعيّة، لتختار سلماً هنا أو حرباً هناك، لأنّ للحرب نتائجها الإيجابيّة أو السّلبية، وللسّلم نتائجه الإيجابية أو السلبية، ولا بدّ للمسالم من أن يدرس الإيجابيات.
▪️الصّلح في الواقع الإسلاميّ
أيّها الأحبّة، إنّ القضية تعطينا وعياً سياسياً في كلّ مراحل حياتنا، فلندرسها في الواقع الإسلاميّ فحسب، لا في الواقع غير الإسلامي، فعندما يكون هناك صراع وخلاف في الساحة الإسلاميّة، فقد تكون المصلحة الإسلامية العليا أن تسالم، لأنَّ الحرب قد تسقط الهيكل على رؤوس الجميع، كما يقولون، وهذا ما نستوحيه من كلمة عليّ(ع): “لأسلمنّ ما سلِمَت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلاّ عليَّ خاصَّة”. إنَّ السّلام والتّسليم ينطلق من المصلحة العليا للمسلمين، لا من خلال الحالة النفسيّة للإنسان، وهكذا نلاحظ أنَّك لا بدَّ من أجل إصلاح الواقع الإسلاميّ، من أن تعنف أحياناً، ولا بدّ من أن تثور، وعند ذلك، تكون الثورة هي الحلّ للمصلحة الإسلاميّة في هذا المجال.
وقد قلنا إنَّ المسألة تدور في السّاحة الإسلاميّة مدار المصلحة الإسلاميّة، لأنَّ بعض الناس استغلّ مسألة صلح الإمام الحسن(ع)، ليتحدَّثوا عن الصّلح مع إسرائيل، ومنهم بعض وعَّاظ السَّلاطين، من فقهاء صلح الحديبيّة، ليشرّعوا بذلك الصّلح مع إسرائيل، في حين أنَّ صلح الحديبيّة لم يكن تنازلاً من لدن رسول الله(ص) عن موقفه، لكنّه كان يريد أن تبقى حالة السِّلم بينه وبين المشركين، ليهيّئ للفتح الكبير وهو فتح مكَّة، ولو أنَّ النبيّ(ص) دخل في معركة مع قريش في تلك المرحلة، لما استطاع أن يتحرّك نحو مكّة ليفتحها، لذلك كان صلحاً قدَّم تنازلاً مرحلياً ليس بذي شأن، إلاّ من الناحية المعنوية، ليربح فتحاً كبيراً ينهي الصّراع تماماً مع قريش، لأنّه يسقط كلّ عنفوان قريش، أمّا صلح الإمام الحسن(ع)، فهو صلح في الساحة الإسلامية من أجل مصلحة المسلمين الذين أتعبتهم الحروب، ولم تعد الحرب تنتج شيئاً في واقعهم جرّاء التعقيدات والظروف الصّعبة هنا وهناك، ولأنّه كان يريد
أن يخطّط لثورة الإمام الحسين(ع)، ولو حارب الإمام الحسن(ع) آنذاك، لقتل هو وقتل الحسين(ع) وقتل كلّ أهل بيته، وقتل كلّ أصحابه، ولم يعد هناك صوت ينطلق بالحقّ.
▪️الصّلح مع إسرائيل!
لذلك، لا يغرّنكم من يحاول أن يتحدَّث عن صلح الحسن(ع) كما يتحدَّث عن صلح الحديبية، ليقول لكم إنّ في تاريخ المسلمين صلحاً مع المشركين وصلحاً مع المسلمين، فتعالوا لندخل صلحاً بين المسلمين من أجل أن نطبّع العلاقات مع الظالمين ومع المستكبرين في الداخل، أو لنطبّع العلاقات مع إسرائيل في الخارج. افهموا معنى الصّلح هناك ومعنى الصلح هنا، لتفهموا كيف يمكن للأمّة الإسلاميّة أو العربيّة التي تختزن الإسلام في عمقها، أن تفهم أنَّ الصّلح مع إسرائيل ليس له أيّ مبرّر شرعي، لأنّ قصّة إسرائيل هي أنّها أخذت الأرض كلّها، وأنّها طردت الشّعب كلّه، إمّا أنها طردته إلى الخارج، أو طردته من تقرير مصيره.
لذلك، فلو قال العالم كلّه إنَّ إسرائيل دولة تملك الشرعية القانونية، لبقينا نقول أن لا شرعية لإسرائيل، لأنّه ليس هناك أيّ أساس إنسانيّ أو حضاريّ أو دينيّ مسيحيّ أو إسلاميّ يمكن أن يقرّ شعباً يأتي ليطرد شعباً آخر ليحلّ محلّه، بحجّة أنّ آباءَه كانوا قبل ثلاثة آلاف سنة يسكنون هذه الأرض .
لذلك، أيّها الأحبّة، علينا أن ندرس القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية من خلال القواعد التي ترتكز عليها قضايانا في العقيدة في الخطّ الإسلاميّ، وفي الواقع الذي يحدّد أين المصلحة العليا هنا وأين المصلحة العليا هناك، وأن نعي تاريخنا جيّداً، كما أنّ علينا أن نعي إسلامنا جيّداً، وأن نعي واقعنا جيّداً، فهذا هو الذي يمكن أن يهيّئ لنا الخطوط التي يمكن أن نتحرّك بها في حياتنا.
أيّها الأحبّة، إنَّ العالم يتحرّك في عمق الوعي لقضاياه، فلماذا نبقى نتحرّك في هوامش الهوامش من قضايانا .
اللهم احفظ الاسلام و اهله
اللهم احفظ العراق ةاهله

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد