الزمن الجميل

الزمن الجميل
ـــــــــــــــــــــ
تختلف وجهات النظر بين هذا وذاك وحسب ماتتطلبه مناقشة قضية مع هذا وهذه وذلك وتلك ، فبالتأكيد هنا لاتتطابق وجهات النظر مع قضية يتم مناقشتها ، فوجهة نظري تختلف عما يرتأيه صديقي وربما تتطابق الرؤى مع بعض في حالات أخرى وهذ أمر طبيعي لالبس ولا غبار عليه ومن هنا سوف أعرج على ماحصل معي مع صديق لي له صولاته في مجال كتابة القصة القصيرة أثناء جلسة ضمت بعض الأصدقاء ، إذ تطرق أحد الحضور الى عبارة الزمن الجميل ، هنا ثارت ثائرة هذا الصديق قائلا .. عن أي زمن تتحدثون ، عن زمن السجون والمعتقلات والإعدامات ؟ هنا كان لي موقف في هذا الصدد ، إذ تطرقت إلى هذا الموضوع قائلا ..لا ليس كذلك أو كما ترتأي .. الزمن الجميل مصطلح عالمي إنتشر عالميا مابين الطبقات المثقفة في شتات المعمورة ، فهو نفس المصطلح في أميركا وأوربا وأفريقيا وكما هو في الوطن العربي ، إذن مصطلح الزمن الجميل لايخص بلدا معينا البتة ، ولو غصنا في أعماق هذا المصطلح لوجدناه متشعبا إلى شعب ومفردات جمة ، فلو استرجعنا ذكرياتنا إلى الوراء لأدركنا مايعني هذا المصطلح .. فهو يشار به إلى الصحافة والثقافة والسينما والمسرح والموسيقى والغناء والتعليم والرسم والنحت وبقية الفنون الأخرى ، فلو استذكرنا الصحافة لتبادر إلى أذهاننا إلى جملة من الصحف التي كانت تقرأ من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة ويزداد الشوق إلى العدد اللاحق في الصدور كما كان هناك باعة متخصصون ببيعها ليعود عليهم بوارد غير قليل من المردودات المالية ، فترى هناك العديد من الصحف العربية والمحلية في مكاتب بيع الصحف ناهيك عن المجلات ، كما لايخفى علينا أنه كانت هناك صحف ومجلات متخصصة في الأدب والفن والرياضة والسينما والمسرح ، والطب ، والتقنية ، بل تعداه الى صحف ومجلات الأطفال ، وإذا عرجنا إلى المسرح نجد أن قاعات المسارح مشغولة بعروض مسرحية مستندة إلى كتاب ومخرجين متخصصين في كتابة الأعمال المسرحية ولهم شهرتهم في هذا المجال، ثم الأدب الذي أمتاز بفطاحل الأدباء الذين أغنوا الساحة الأدبية بأجمل ماتمت كتابته من الروايات لعمالقة الأدب الروابي، كان لهم حضورهم في عالم الأدب ، فهل ننسى عمالقة كتاب الرواية وبدون ذكر الأسماء ، وكذلك ما زخر به زمن الشعر ، فكان هناك أعظم الشعراء الذين كتبوا ماعجز عنه شعراء اليوم الذين جلهم تأثروا بذلك الجيل من الشعراء قبل أن يمر الشعر بمأساة قصيدة النثر والسونيتات والهايكو ، وما أراه هنا إلا العجز في مواكبة الشعر الذي عرفناه بمفهومه الصحيح ليس إلا ، ولو عدنا بذاكرتنا قليلا إلى الوراء لنعيش أجواء البصرة ، فعندما كانت نفوس البصرة أقل من نصف مليون نسمة كانت هناك المطابع بما لا يقل عن ثمان مطابع تصدر منها عدد من الصحف التي هي إمتداد للموروث الثقافي للمدارس حيث كانت تصدر بعض المدارس مجلات ونشرات الحائط وإقامة الحفلات الفنية ، ولا ننسى الصالونات الأدبية والثقافية مضافا إليها عدد لابأس به من المكتبات التي كان يعرض فيها معظم الكتب المطلوبة من قبل الشارع البصري وحتي المقاهي كانت عبارة عن شبه نوادي ترفيهية لكبار الأدباء ، وعلينا أن نتذكر جيدا النسيج الإجتماعي لسكنة البصرة فكان هناك تعدد القوميات والأديان بتفرعاتها المعبرة عن ثقافة إجتماعية قل نظيرها وإذا إنتقلنا إلى الموسيقى والغناء فلا يوجد هناك من ينكر زمن الأغنية الجميلة التي صدحت بها الحناجر الرائعة ، وكبار الملحنين وكتاب الأغنية ، وحتى هذه الأغاني كان لها هناك تخصصات ، فهذه أغنية مناسبات مثل أغاني رمضان والحج بل قل هناك أغاني مناسبات تذاع ليومين أو ثلاثة أيام خلال السنة مثل أغاني توديع رمضان والأغرب من ذلك هناك أغاني تذاع لليلة واحدة من السنة بخاصة ليلة العيد ، بالإضافة إلى أغاني الأطفال والإبتهالات الدينية التي تشعبت بتشعب المناسبات التي لاتجد لها مثيل في يومنا هذا وكأنها إنتهت وليس هناك من جديد أو تجديد ، ولو إنتقلنا إلى السينما لوجدنا هذا اليوم الإخفاق الكبير في هذا المجال ، بل تحولت دور العرض السينمائي إلى أسواق ومحلات لبيع الملابس وغير ذلك من مجالات التجارة ولاننسى فنون النحت والرسم إذ كان هناك عمالقة يشار إليهم بالبنان والذين أماتزوا بالشهرة الواسعة وخلت الساحة الآن من أمثالهم وكذلك خلوها من أغلب الفنون والأداب ، وليس هذا فحسب ، فلو عدنا إلى الوراء قليلا لنتحسس الوشائج الإجتماعية مابين الناس لوجدنا هناك فارقا كبيرا في هذا المجال ، هل تتذكرون المعلم في المدرسة وحرصه في التدريس ومواكبة الطلاب حتى في منطقة سكناهم ؟ أذكر ذات يوم أن شاهد مدير المدرسة ( رحمه الله ) أحد الطلاب بملابس متهرئة فما كان منه إلا أن يرسل بطلبه ويأمر فراش المدرسة باصطحابه إلى السوق ليشتري له قميصا وبنطلونا وحذاءً ، فأي صورة تلك التي كانت قائمة مابين المعلم والتلميذ ؟ وكان المعلم الذي كنا نراه ، ماهو إلا ذلك الرجل المهندم بملابسه المتميزة وكأنه وزير يدخل وزارته ، وكذلك علاقته مع الطلاب من خلال الألعاب الرياضية والمشاركات في المعارض الفنية وإقامة الحفلات المدرسية والحركة الكشفية ومعسكراتها بالإضافة إلى العلاقة مابين الإدارة والمعلمين من جهة وذوي الطلاب من جهة أخرى والمتمثلة بمجلس الآباء والمدرسين ، وإذا ما إنتقلنا إلى التعليم الجامعي فلا يمكن مقارنته مع يومنا هذا في جميع جامعات العالم ، ولاننسى أياد الإرهاب التي إمتدت للنواحي المختلفة من الحياة في أرجاء المعمورة كافة فما كان يشعر به الإنسان من عوامل الأمان في شتى بقاع العالم ، لم يكن كذلك هذا اليوم وهذا واضح لكم من خلال متابعاتكم للأخبار العالمية ، وهذا سرد بسيط غابت عنه أمور أخرى فهل بعد ذلك من ينكر أن هناك كان زمنا جميلا ؟ .
استدرك صديقي العزيز كلامي بالتعقيب الموجز بأنه أدرك ماقلته وأن ذلك ربما يعود إلى نوع من تطور الحياة فقلت له ربما لأن عجلة الحياة أخذنا نشعر بها وكأنها تسير بعجالة غير مسبوقة ولا أدري هل هي أعمارنا التي تمضي مسرعة أو هناك قصورا في نواحي حياتنا وربما في الإثنين معا .

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد