قصة قصيرة . عنضيلة*

 

عبدالله عبدالإله باسلامه.
ذمار / اليمن .

على غير عادته ..لا شرود، لا وجوم، يراقبني باهتمام فيما أغمس الصغيرة في الماء البارد وأفركها بلطف، واكأجففها بسرعة لتكف عن الارتجاف.
معذور أيها المسكين؛ فهذه أول مرة، والأخيرة التي تشاهد فيها البنت تستحم.
يفاجئني بفرد ساعده المضمد، لأنهض مترددة، وأميل بها إليه دون أن أتركها بين يديه، يتأملها بصمت تنفرج شفتاه عن ابتسامة شاحبة، يداعب وجنتيها باصبعه .. تفتح فمها .. تلاحق الأصبع .. يتكدر طبعها تبكي بعصبية .
– ما لها تغيرت ؟!
– جائعة .
– اعطها رضعة .
– لم يبق معها غير بضع ملاعق حليب بالكاد تكفي لبقية النهار والليلة.
تنهد بعمق مشيحا بنظره إلى الغرفة الخالية إلا من كتبه وأوراقه، فيما يزداد بكاء الرضيعة حدة، حملتها أهدهدها جيئة وذهابا، بينما راح يتحسس جيب بنطلونه ليستخرج سيجارة مسحوقة أخذ يعدل قوامها ويلعقها بطرف لسانه، وبصوت واه همس محدثا الفراغ :
– يا لهذا الوضع المزر الذي وصلنا إليه.
– كله بسببك يا سيادة العميد.

انتصب ظهره كالملدوغ مستويا في جلسته يحدق بي بغرابة، شعرت بالندم فدائما أنكئ بتسرعي جرحا ملتهبا لماض قريب عشته معه بكل تفاصيله، يومها كنت واحدة من بين مئات طلاب كلية الهندسة الذين يرددون اسم الدكتور (نجم) صاحب الدرجة العلمية المميزة، والمؤلفات في علم الهندسة، ودراسات علم الاجتماع التي يهواها، والمرشح الأوفر حظا لعمادة الكلية، ماض مجيد مشرق لم يلبث أن هوى وانهار لدرجة لم أعد ارثى له بقدر ما ارثى لحالي معه، وتحمل سماع تعنيفه الذي لا ينتهي ..
– ماذا تقصدين؟!! لازلت تلومينني أليس كذلك؟
– لا ألومك.. ولا أقصد شيئا .. هي أملاكك و حياتك وأنت حر فيها .
– نعم هذه حياتي وأنا حر فيها .. رغما عنك تنازلت عن عمادة الكلية لصديقي، وعن ملاكي لإخوتي بمزاجي، وأبحاثي لطلابي، وسأتنازل بكل شيء لمن أريد هل تفهمين.
– أفهم أفهم.
– إذا اغلقي فمك هذا ..

ابتعدت بصغيرتي عنه خطوات دون أن أعطيه ظهري مختلسة النظر -بقلق- عبر النافذة، وحتى أخفي توتري أخذت أتأمل الجدران المؤثثة بالشهادات، والنياشين، والأوسمة، وصور حفلات تخرج طلابه، ومناقشات الماجستير، والدكتوراه التي كان يرعاها ويشرف على كثير منها دون أن يأخذ الغبي مقابل عنها، لكنه يبدو سعيدا، بشوشا، أنيقا خاصة في تلك الصورة ذات الإطار الذهبي التي جمعتنا ليلة الزفاف.
حتى أنا.. أدركت منذ البداية أنني البنت الفقيرة (العنضيلة) كنت إحدى مبادئه التي وقف مدافعا عنها أمام رفض ومعارضة أهله، لكنه تجاهلهم ليثبت بطلان مسألة بنت الأصل وبنت الفرع.
من جهتي قطعت التواصل مع أهلي، وكنت حريصة على التفوق بمظهري وكلامي على كثير ممن يسمين أنفسهن بنات أصول، وحتى على سيدات المجتمع الراقي، رغم إيماني بأن هذه الخرافة هي نوع من التننمر الطبقي كما يقول زوجي مثلها مثل كل الأعراف، والتقاليد، والظواهر الإجتماعية التي كان يجتهد في محاولة مكافحتها، تماما كما يجتهد أمامي الآن في محاولة إشعال السيجارة بواسطة قداحته حتى أفلح، ليمتصها بنهم، وينفث الدخان في شكل حلقات طالتني دون أن أجرؤ على بعثرتها بيدي؛ خوفا من أن تبدر مني حركة خاطئة أخرى؛ فلم أعد قادرة على تحمل جنونه الذي بدأ عندما تدهور حال البلد إثر فوضى الثورات، ثم حرب العدوان، لتسقط البلد في براثن الفساد، ويفاجأ بإقالته من قبل العميد، فتنشب بينهما معركة أرادها أن تكون قصيرة، ثم وجد نفسه مفصولا من العمل، ومطرودين من السكن، ليلجأ إلى مصوغاتي العزيزة، ومقتنياته الزهيدة حتى بددها.

لم تك عربة الخضار الصغيرة في رأس الجولة حلا لمعاناتنا، زاد من محنته هجوم البلدية، وإيداعه السجن بتهمة عدم حيازة رخصة، وتشويه المنظر، إلا أن صدمته كانت عندما علم بأن مدير البلدية كان أحد زملاء الدراسة، فذهب وألقى بنفسه عليه، يشكو إليه حاله، وظلم عماله، وسوء معاملتهم، فتجاهله وأمر بمصادرة العربة، وإلقاءه مع محتوياتها في الشارع .

عاد يومها ليجد طفلتنا أطلت على الدنيا، ظل حزينا محبطا لأسابيع يعاقر الصمت، والسجائر بصورة تثير السخرية.
وفي ذات ليلة فاجأني بعودته وهو يدندن مقتربا مني، رفع طفلته على حجره، يمعن النظر في وجهها، ويقبلها بحنان بالغ ظننت أنه عثر على كنز، وحين سألته زعم أن أحد طلابه يعمل مشرفا في شركة مقاولات، وقد طلب منه مشاركته الإشراف، وأخذ يسهب في وصف أخلاقه، وكيف أثمر إحسانه إليه.
وبعد بضع ليال عاد مرهقا مجروحا في معصمه، أدعى: أن السقالة أوشكت على السقوط فوقه، لولاه – نفس الطالب- الذي كاد أن يهلك في سبيل تحرير مفصلها لتسقط بعيدا عنه .

لم تك هذه المزاعم والإدعاءات لتنطلي علي، فبعدها بأيام كنت الوحيدة التي اكتشفت لغز الجريمتين اللتين تتداولها وسائل الإعلام، وتتناقلها الشائعات حول اغتيال عميد كلية الهندسة، ومدير البلدية .

مع احتضار السيجارة في شفتيه، تركت مكاني عند النافذة، رغم الجلبة التي أثارها وصول عدد من السيارات، وأصوات أقدام كثيرة وسريعة تصعد السلم، ورؤيته لي وأنا افتح الباب للشرطة إلا أنه بدا مستسلما، ينظر إلي مذهولا ببراءة !.

شعرت بأن الوقت قد حان للالتفات إلى نفسي؛ فأنا لازلت شابة جميلة، كما بدأت التخطيط لمستقبل ابنتي التي أخذ رزق الصدقات، والمعونات ينهال علينا بمجرد إنتشار الخبر، كما أعددت جردة حساب بمقاضاة كل ما تنازل عنه المجنون ومنحه من كتب، وأبحاث، وأموال…حتى فوجئت بخبر تسليم القاتل الحقيقي نفسه للشرطة، لم أصدق ما يشاع ..قيل أنه قتل العميد، ومدير البلدية لأن الأول كان يبتزه، والثاني هو المالك الحقيقي لشركة المقاولات والذي حمله خسائر توقف العمل إضافة إلى ثمن السقالة، وانتقاما من كليهما للدكتور نجم الذي كان له فضل كبير عليه.

أغلقت على نفسي باب شقتي أعيش كابوس غربتي في دنياه، وحين وصل، ظللت واقفة عند الباب، دخل متجها مباشرة نحو المهد، ضم الصغيرة إلى صدره طويلا، ورفعها وهو يخاطبها اشتقت لرؤيتك تستحمين مرة أخرى، ثم سألني دون أن ينظر إلي : متى ستغلقين الباب؟
ودون أن أرد عليه خرجت وأغلقته .

=======================
* مصطلح شعبي متداول يطلق على من لا نسب واضح لأهلها .

 

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد