المغزى الاصلاحي في ثورة الامام الحسين عليه السلام

المغزى الاصلاحي في ثورة الامام الحسين عليه السلام.

الباحثة : آلاء حسن هادي
شكلت ثورة الإمام الحسين (ع) انعطافةً كبيرةً في تاريخ ومسيرة الأمة، واستنهاضاا للعقول والأفكار وصدمةً في النفوس والقلوب، ولم يقتصر أثرها وتأثيرها على اللحظة التاريخية التي وقعت فيها، بل إمتدّا إلى كل العصور والأزمان، الى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنها ثورة معطاءة تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها منذ انبثاقها وعلى مر التاريخ، إنها جاوزت الحدود المألوفة للحركات والثورات والنهضات البشرية، فهي ثورة شاملة تعكس مختلف جوانب الحياة العقدية والخلقية والسلوكية والثقافية والاجتماعية، فلم نجد ثورةً وبمختلف الظروف الزمانية والمكانية سعت الى تغيير أنظمة الحكم او الظروف الاجتماعية ولم تخمُد أنفاسها وكان همها الالتزام بالقيم والدفاع عن المبادئ مثل هذه ثورة الامام على مدى مرور الليالي والايام.
إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام هي استمرارٌ لخط النبوة، وبها ثبات واستقامة القيم الإنسانية، بعد أن حاول المبطلون على محوها بكل ما أوتوا من وسائل وإمكانيات، وبالتالي فهي ثورة لإنقاذ الدين وإحياء الشريعة ووضع البشرية في مكانة سامية وإخراجها من دهاليز الظلمات إلى عالم النور والضياء.
وثورة الإمام الحسين عليه السلام فيها حكاية عن مستقبل البشرية بأجمعها، إذ رأى عليه السلام أن مستقبل البشرية يتوقف على شهادته ودمائه التي روت الأرض بالجهاد والإيثار والتضحية لتُنبت في كل الأزمنة أشخاصاً يسيرون على دربه، لا يرتضون الضيم ولا يقبلون الذلّ والهوان، إنها لم تكن ثورة انفعالية ولا حركة عشوائية ينقصها الوضوح في الرؤية أو القصور عن تحديد الغايات والاهداف، بل كانت ثورةً واعيةً لها رؤيتها الواضحة واهدافها المحددة والتي كشف عنها مفجرها في اول بيان من بياناته المتعلقة بها وذلك حينما قال صلوات الله عليه “إني لم اخرج اشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …”
والإصلاح فيه رؤية بعيدة المدى لمستقبل الأمة، والذي كان الإمام عليه السلام يقرأه ويعرف عدم إمكانية الوصول إليه إلا عن طريق الشهادة، ونحن نعلم أن الإفساد في الأرض من الجوانب المظلمة في حياة الانسان، شاهدته الملائكة وسجّلت من خلاله اعتراضا على استعمار الانسان للأرض بقولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، وفعلا وقع فيها الإفساد وسُفكت الدماء؛ لذا جاءت ثورة الإمام الحسين عليه السلام لإسقاط الحاكم الفاسد وانتزاع الشرعية المزعومة لقيادة الأمة، وأن مشروعية القيادة إنما هي من الاستقامة على ضوء منهج الإسلام، فلما لم تكن كذلك فلا مشروعية للقيادة، ولذا أعلن سلام الله عليه موقفه المشهور: “يزيد فاسقٌ شاربٌ للخمر، قاتلٌ النفس المحرّمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله”، فهو لا يستحق أن يكون قائداً، ولا يستحق أن يكون ولياً يحكم المسلمين.

 

 

وبالتالي نفهم درساً أساسياً بأنَّه يجب أن يكون الحاكم عادلاً حتى يستحق الحكم، ويجب أن ينسجم الولي مع تعاليم الإسلام الحقة لا مع مصالحه وفساده ليكون مقبولاً، وهذا التأسيس يساعد بشكل مباشر على إعطاء القيادة أهميتها، وما لم تكن هناك قيادة مستقيمة فلا ينتظرنَّ أحدٌ من الناس أن يكون التطبيق صحيحاً للإسلام، فالتلازم قائم بشكل كبير بين القيادة والحكم، فلا بدَّ أن تجتمع القيادة المستقيمة مع الحكم بالإسلام كي نحصل على النتيجة، وإلا ستكون النتيجة سلبية، وستكون الشعارات مختلفة تماماً عن التطبيق .
إن الإصلاح في الأرض غاية عظمى ومبادئ عليا سعى اليها الخلفاء الالهيين من الأنبياء والرسل والائمة الابرار والاولياء والصالحين بل وحتى الفلاسفة والحكماء وأولي الالباب، كان شعارهم في كل حين كما عبر عنه القرآن: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ)، فما بالكم بالإمام الحسين عليه السلام الذي هو سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وأورع أهل زمانه واتقاهم وافضلهم في كل شيء، وكإمام معصوم تقع عليه مسؤوليات الأمة يجب أن ينهض ليصحح مسارها ويُقوّم اعوجاجها؛ لما آلت الأمور من تولي أمور المسلمين راعٍ كيزيد، هذا الماجن شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة ومُلاعب القردة الزاني بالمحارم، فنهض سيد الشهداء عليه السلام معلنها صيحة مدوية: (ومثلي لا يبايع مثله)، فإستطاع عليه السلام ان يسحب البساط من تحت شرعيته المزيفة ودولته الكاذبة، حتى لو أدى ذلك الى التضحية بدمائه ودماء الثلة الطاهرة من ولده وأصحابه وسبي نسائه، وهذا ما حصل فعلا، فالحسين عليه السلام هو الوارث لكل أولئك الذين اصطفاهم الله واختارهم ليحملوا مشعل الحرية ومرقاة الإصلاح وليكون الامتداد الطبيعي الحق لتلك المسيرة الإصلاحية المباركة، فحمل الأهداف ذاتها ووقف بوجه المفسدين والمبطلين والفاسقين والظالمين، استمرارا لنداء الأنبياء لهؤلاء المجرمين: (وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) .
ان الإصلاح الشمولي في ثورة الحسين عليه السلام قد ترامت أبعاده وتنوعت أهدافه وكبرت مساحاته وتعددت مفاهيمه، فمنها ما يرتبط بالغيب ولن نجد لذلك سبيلا للوصول اليه؛ لأن هذه الثورة فيها أعماق غيبية تفوق تصوراتنا كبشر على اختلاف افهامنا وعقولنا، وفيها أعماق اجتماعية؛ لأنها تشد الناس اليها تبعا لفطرتهم التي فطرهم الله عليها، ناهيك عن الأبعاد الأخرى التي تحتاج الى تفسير خاص وتأويل عميق لا يلقّاه الا ذو حظ عظيم .

 

إن كل خطوة خطاها الامام الحسين عليه السلام وكل حركة قام بها هي نظام متكامل من الإصلاح وإحياءٌ لكل مفردة مقدسة عمل الطغاة والمنحرفون على محوها أو إخفائها، ويكفيك فهما وعلما أن ما قام به الإمام الحسين عليه السلام من ثورة هي إشارة لعِظَم الفساد الذي استشرى في كل مفاصل الدولة الإسلامية، واصبح الانسان سلعة رخيصة يبتاعها الامويون بأبخس الأثمان ويستميلون ضمائر الناس بأرخص الوعود الكاذبة، فكان أهل البيت عليهم السلام بالمرصاد لهؤلاء المتخرصين والمارقين عن الدين؛ لذا جاءت صرخة الحسين عليه السلام في وجوههم المزيفة مجسدا فيها مبادئ النبوة المقدسة: (من رأى منكم سلطانا جائرا، مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا بقول كان حقا على الله أن يدخله مدخله) . ويا لها من صرخة مدوية كشفت زيف الادعاءات والتخرصات الاموية .
وقد أحدثت ثورة الإمام الحسين (ع) الكثير من الآثار والنتائج على أكثر من صعيد في المجتمع الإسلامي، أهمها :
• فضح الزيف الديني:
• فقد كشفت ثورة الامام الحسين عليه السلام أكاذيب وإفتراءات الامويين المتمثلة بمعاوية لعنه الله ومن جاء بعده ابتداءً من نقضه لصلح الامام الحسن عليه السلام، كما أسقطت زيف نظرية حاكمية الانسان من قبل الله في الأرض وأنه (ظل الله في أرضه) كما ادعاها معاوية لنفسه والشهود كثيرة على ذلك، كذلك فضح سياسات يزيد بن معاوية لعنه الله والعمل على تعريته وكشف حقيقته من حيث أعماله وأفعاله المشينة المعروفة لدى المجتمع والاجيال المتلاحقة، ففي هذا عارٌ ما بعده عار، وشنار لم يسبقه شنار، وخزي لمن يدّعي أحقية هؤلاء المجرمين للخلافة .
• إحداث صدمة اجتماعية وسياسية:
أوجدت ثورة الإمام الحسين (ع) صدمة اجتماعية، وهزة سياسية في المجتمع لهول ما حدث في معركة الطف، فكل شيء حدث فيها إهتزت له السماوات والأرض، فاستشهاد الإمام الحسين (ع) بتلك الصورة المفجعة أدى الى إرتدادات اجتماعية وسياسية وتركت آثاراً نفسية على كيان المجتمع، وتركت بصمات واضحة في تركيبة المجتمع وآلاماً وندماً لا تمحى آثارها على مرور الأيام وتعاقب الأجيال .
• اندلاع الثورات والانتفاضات:
فقد كان استشهاد الإمام الحسين (ع) المحرك لانبعاث روح الجهاد والمقاومة ضد الظلمة والظالمين طوال التاريخ.
فبعد ثورة الإمام الحسين (ع) انبعثت الروح الجهادية في الأمة، وبدأت الجماهير ترقب زعيماً يقودها، وأينما وُجد القائد وجدت الثورة على الأمويين. ونلاحظ هذه الروح الثورية في كل الثورات قد حملت شعار (يا لثارات الحسين)، بمعنى أنها خالصة للحسين القائد في كل زمان ومكان، ومن هذه الثورات :
1 ـ ثورة التوابين: اندلعت في الكوفة، وكانت ردة فعل لقتل الحسين (ع)، انطلقت من شعورها بالإثم لتركهم نصرة الحسين (ع)، بعد أن استدعوه بكتبهم إلى الكوفة ورأوا أن يغسلوا عارهم بالانتقام من قتلته وكانت سنة 65 للهجرة.
2- ثورة المختار الثقفي: ثار المختار بن أبي عبيدة الثقفي سنة 66 للهجرة في العراق طالباً ثأر الحسين، وقد تتبع المختار قتلة الحسين وآله وقتلهم، فقتل منهم في يوم واحد مائتين وثمانين رجلاً.

 

• بقاء مدرسة أهل البيت:
مدرسة أهل البيت مدرسة متميزة في كل أبعادها المعرفية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وقد واجهت الكثير من التحديات طوال التاريخ، وما كان لها أن تستمر لولا ثورة الإمام الحسين (ع) المباركة، فدماء الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه روت هذه المدرسة بما تُلزم للبقاء والديمومة والاستمرار، لذا نجده عليه السلام يوصي بأهل البيت فيقول: (إلزموا مودتنا أهل البيت فإن من لقي الله وهو يودنا دخل في شفاعتنا)، وهذا هو الدرس والغاية من نهضته المباركة، واليوم نرى انتشار أتباع مدرسة أهل البيت في كل أنحاء العالم، ولم يستطع أعداؤها بكل ما لديهم من أدوات القمع والدكتاتورية أن يقضوا عليها في القرون الماضية .
• تحقق مبدأ الحرية الإنسانية :
وقد نادى عليه السلام في يوم عاشوراء بهذا المبدأ؛ كي يخرج الناس من طامورة الظلمات والاوهام والانقياد للظلمة والطواغيت الى عبودية الله الذي خلقهم أحرارا، فكانت ثورته تجسيدا لهذا المبدأ عندما نادى الجيش الذي ركن للذل وأطاع بني أمية: (كونوا أحرارا في دنياكم وإرجعوا الى احسابكم إن كنتم عربا)، فالغيور الحر لا يقبل بالضيم والهوان والركوع للفاسقين أعداء الله ورسوله .
• تحقق التغيير :
فلم نجد قائدا على مر التاريخ حقق تغييرا شاملا وجذريا في مبادئ وقيم المجتمعات مثلما فعل سيد الشهداء عندما اعلنها مدوية: ( وأنا أحق مَن غَيّر)، وهذا التاريخ أمامنا لم يقدم لنا أنموذجا واحدا من قادة ثبتت نظرياتهم على أرض الواقع، بل تموت بموته .
• الفتح والانفتاح على الامة :
إذ أن ثورته المباركة حققت الفتح الكبير للإسلام والمسلمين بعد النصر الكبير والفتح العظيم الذي نهض به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مُؤيَّدا ومُسدّدا من قبل الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)، فهذا الفتح هو سنخ ذلك الفتح، فلولا الدماء الزاكية والتضحيات الجسام في كربلاء لإندرس الإسلام ومُحيت آثاره، لذا نجد الامام عليه السلام يؤكد على هذا الفتح بقوله: ( ومن لم يَلحق بي لم يُدرك الفتح).
هذه شذرات من نهضة الإصلاح المباركة والمبادئ الحقة التي نادى بها سيد الشهداء عليه السلام، إستشعر فيها المسلم روح الإيمان الصادق وعزّة النفس وثمن الكرامة ؛ لذا جاءت نهضته عليه السلام نهضة صادقة، وهو جانب مهم من أسباب قيام الثورة.. أمّا الواقع حينها، فقد تمثّل في العيش تحت الضيم والظلم، وتقويض الهوية الإسلامية، واستبدالها بهويات كانت تتصارع من أجل الوصول إلى السلطة، وهذا من أكبر الأسباب وأشدّها تأثيراً على الهوية الإسلامية، وهي الهوية القبلية التي حاربها الإسلام، وحاول إذابتها، فما كان من قريش إلّا الانتفاض على الهوية الإسلامية تعنتاً وظلماً، وقد بقيت تلك الهوية تصارع بصمت مقنَّعة تحت تسميات عدّة، تتربص الفرص للظهور مرّة أُخرى، وكأنّها كانت تستولد تسمية ملائمة وظرف أكثر ملاءمة لتنمو من جديد. فجاءت ثورة الإمام لتكون حدّاً فاصلاً منعت نمو الفساد في تلكم الهوية الأصلية، فشرّعت الموت من أجل الحياة، وهو مفهوم استوعبته العامّة والخاصّة حينها؛ لأنّ الحدث كان يتطلب مخرجاً من مزلق الظلم الذي ساق الناس كالأنعام، وتسلّط على رقابهم وضمائرهم.
ختاماً يا سيدي الحسين، أنت لهيب في ذاكرة الأجيال، وأنت مدرسة الثوار ومدرسة الأحرار تُعلمني كيف أنتفض من ذُلّي وكيف أستنجدك في المُلمات الجسام، فسلام عليك يوم وُلِدتَ ويوم قدّمت نفسك وذويك قرابين على مذبح الحرية والإصلاح ويوم تُبعث حيا تتبوأ المنزلة الملكوتية الكبرى في مقعد صِدقٍ عند مليك مقتدر .

 

 

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد