رضا الله من رضا الوالدين

رضا الله من رضا الوالدين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المناقشات مابين الناس وأخص المثقفين منهم شيء جميل , حتى لو اختلفت الآراء فيما بينهم فهذا لابأس به طالما بات ذلك النقاش (( لايفسد في الود قضية )) .
قبل أيام قليلة تم طرح قضية في مجموعة خاصة على شبكة التواصل الأجتماعي حول فتاة أقسم عليها زوجها أن لاتذهب إلى بيت أبويها , فأختلفت الآراء في هذا الجانب , فذهب بعضهم إلى أن طاعة الزوج هنا واجبة وعليها الإمتثال إلى مايرتأيه زوجها , فأن ذلك من الواجبات الأساسية التي تعد من ضمن الإلتزام الديني , وهنا أدرج ملاحظاتي المعبرة عن رأيي الشخصي لذات القضية …
إذا كان الإنطلاق لهذه المسألة يعبر عن طاعة الزوج واجب ديني وأخلاقي , فهل أطعنا الله بكل ما أمرنا به وقد وصلت المسألة إلى هذا الحد ووجب عليها هنا الطاعة والخضوع إلى أوامره خوفا من العاقبة ؟ وهل كانت تلك الرغبات والأوامر تتطابق وتنساق وفق مرضاة الله ؟ واذا ماعلمنا أنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق , فهل كان وفاء البنت لأبويها هنا معصية للخالق ؟ وهل أوامر الزوج هنا لزوجه تنصب في طاعة الخالق ؟ إني أرى تلك الأمور ؛ المعصية بعينها للخالق بعيدا عن طاعته .
إن حب الأبوين لأبنائهما حب أزلي ( إذا ما استثنينا الشواذ ) بجميع الأوقات ومهما أشتدت الأزمات والظروف القاسية , فهما اللذان تعبا كثيرا من أجل توصيل أبنائهما الى جادة الصواب والعيش الأفضل في عالم أفضل , فكم عانى الأبوان في تربية الأبناء من كد وتعب وسهر ؟ وكم عانا عند مرضهم في الطفولة والشباب على حد سواء ؟ وحتى في الدراسة , كم سهرا معهم ؟ وكم عانا من أجل إيصالهم للمدرسة والجامعة ولم يتأفأفا يوما على ذلك التعب المصاحب بل العكس , فكثيرا ماسمعت بأنهما يستمتعان في تلك الأمور .
العمر المتوسط لزواج الفتاة في مجتمعنا هو إلى مابعد العشرين سنة أي إلى مابعد تخرجها من المعهد أو الجامعة , ونحن بوصفنا آباء انغرست في دواخلنا فكرة عدم زواج البنت إلا بعد تحصنها بالشهادة , وكل هذه الأمور تجري مع السنين ليأتي رجل غريب ليراها جاهزة ومكتملة ويقترن بها , وكأنها جاءت إلى الدنيا وهي بهذا الشكل والمستوى متناسين تعب ابويها على مامر من السنين لتنزوي أو تتنحى جانبا من تلك السنين مقابل ارضاء الزوج ليس إلا , وبالأخير يكون هذا الرجل أفضل من الأبوين عند المفاضلة الناتجة من الطاعة العمياء , ياله من انصاف مجحف لمعنى بر الوالدبن ، ثم هنا نستنتج سؤالا منطقيا , ماذا يريد الأبوان من ابنتهما ؟ أليس مبتغاهما هو السعادة لها ولزوجها ولأبنائهما ؟ وإلا لماذا وافقا على تزويجها أصلا ؟ والسؤال هنا أصبح بحكم الوجوب , هل أوامر الزوج يرضاها الله عز وجل ؟ ومن يكون هذا الزوج ليفرض ارادته المتجبرة على أمة الله , وهو عبد من عباد الله ؟ هل نسي أم تناسى أن هذه الوديعة التي اودعاها أبويها عنده قد تركت حجرتها وسريرها ومتعلقاتها كلها حتى العابها التي تعايشت معها منذ طفولتها والتي تعايشت وتعلقت معها على مر السنين وكذلك ابويها واخوانها من أجل أن تمارس حقها الطبيعي بالحياة معاهدة نفسها أن تعيش وتكمل الحياة معه بحلوها ومرها ؟ ايكون هذا الأمر بابا ًمن أبواب رد الجميل ؟ وهل هناك من شخص يتمنى أن يكون شخص آخر أفضل منه سوى الأبوين ؟ فهما الوحيدان اللذان يرجوان الله أن يكون أولادهما أفضل منهما ، ثم مالي ارى الناس قلقين في أمر معصية الله وهم قد وقعوا في المحظور أساسا بتأييد الزوج في آرائه بدلا من إبداء النصح له بضرورة مراجعة نفسه من أجل العدول عن قراراته البائسة وعودة الأمور إلى طبيعتها والمياه إلى مجاريها من أجل العيش الكريم ؟ وهنا علينا ادراك شيئا اساسيا , لو حدث وان انتقلت الزوج الى دار البقاء , هنا لنقارن محبة الأبوين مع محبة زوجها , لا ولن ينسى الأبوان ابنتهما طالما بقيا يتنفسان الهواء في البرية , وترى التأوهات والحسرات والزفرات على أشدها مطبوعة على وجهيهما وتصرفاتهما , أما الزوج فلا تمر عليه سوى أيام قلائل إلا ويعلن خطوبته على أخرى وبمباركة الأهل والأقارب والأصدقاء مستندين إلى أن ذلك من سنن الحياة , ولا يصح أن يبقى بدون زوج , اليس كذلك ؟ إذن لا أحد هنا يستحق الإنصياع أو الأنقياد في امر جفاء الزوج لأبويها حتى لو كان مخالفا للشرع ولا أظنه كذلك وإن كان فليكن حاله حال بقية سيئاتنا الأخرى , ومن منا معصوم من الخطأ ؟ اذن وجب عليها الذهاب إلى بيت أبويها ولتجعل زوجها أمام الأمر الواقع , اذ عندما تصل تصرفات الزوج إلى هذا الحد , بعيدا عن البعد الإنساني والأجتماعي والأخلاقي , فهذا يعني أنه لايصلح أن يكون لها زوجا ولا يصح للزوج أن تكمل معه مشوار الحياة , وهنا تكون أجمل تجربة في الحكم على هذه المسألة، إن كان يقدر ويقدس الحياة الزوجية وجعلها في إطارها الصحيح , فهل سيتمسك الزوج بزوجه , اذا ما أفترضنا أنه يحب زوجه ؟ ولنقارن الحدث مع حب الأبوين لأبنائهما , ولنحصل على نتيجة السؤال المبهم .

ســــــــعد عبدالوهاب طه

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد