الحسين ( ع ) كان مصلحا و ليس محاربا

● *الحسين ( ع ) كان مصلحا و ليس محاربا* ●
🖋️ *الشيخ محمد الربيعي*
الأوّل من محرّم، يبدأ موسم ذكرى عاشوراء، هذه الذكرى التي أُريدَ لها أن تبقى مستمرة، من أجل أن تكون التاريخ الذي نجد فيه الإسلام المتحرِّك المقاوم الممانع المعترض على كلّ حكم منحرف يُخالِف سُنّة الله ورسوله ويعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ليجد كلّ جيل في ذكرى عاشوراء قدوته، وخطّه، وشرعية حركته، وليأخذ منها وعياً إسلامياً، ووعياً سياسياً، ومنهجاً في ساحة الصراع.
وقد استطاعت عاشوراء كذكرى أن تربّي أجيالاً كثيرة من المسلمين في مدى التاريخ وتصنع الكربلائيين في مدى الزمن، بحيث نشأ لدينا، في كلّ هذه المسيرة الكبرى، الكثيرون من المسلمين في خطّ الحسين (عليه السلام)، الذين عاشوا الإسلام ثورة ضدّ الظالم، ورفضاً للباطل، إلى جانب المسلمين الآخرين الذين كان الإسلام يمثِّل لهم استرخاء، وراحة، وهروباً من المسؤولية، وابتعاداً عن الحركة، كما هم موجودون في كلّ زمان ومكان.. هؤلاء الذين إذا حدّثتهم عن المعارضة حدَّثوك عن التقيّة، وإذا حدَّثتهم عن الثورة حدَّثوك عن إلقاء النفس بالتهلكة، وإذا حدَّثتهم عن التحرُّك قالوا لك إنَّ هناك أكثر من حديث يقول أخلدوا إلى الأرض حتّى يظهر قائمنا، هؤلاء المنخذلون المهزومون نفسياً، الذين يريدون للأُمّة أن تعيش بروحية الانهزام التي تحبّب لها الحياة وتكرِّه لها الموت.
تنوُّع الأساليب في خطّ الثورة
ليس من الضروري أن يكون الكربلائيون العاشورائيون الحسينيون مَن يمسكون السيف دائماً، فكربلاء قبل أن تمسك السيف، كانت حركة ممانعة.
فالحسين (عليه السلام) لم يختر الحرب، كأسلوب أراد له أن يتركَّز في حياة الناس دائماً، وكيفما كان، بل إنَّ الحسين (عليه السلام) انفتح على أساس أن يصلح في أُمّة جدّه، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالكلمة أوّلاً، ولذلك نجد أنَّ من أوائل الخطب التي خطبها الحسين (عليه السلام) قوله: “إِنّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطَراً، وَلا مُفْسِداً وَلا ظالِماً، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ، وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ، ولم يقبل منّي دعوتي، ولم ينسجم مع خطّ الإصلاح حركته، ولم يستجب للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَمَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ”.
حتّى أنّه كان لا يريد لأصحابه أن يبدأوهم بالقتال، لأنّه لا يريد أن يتحرَّك بالعنف ما دام للرّفق مجال، كما هو الخطّ الإسلامي؛ الرِّفق أوّلاً، فإذا فرض عليك الآخرون العنف، فإنَّك تأخذ به حينئذٍ.
ولذلك نعتبر أنَّ الحسين (عليه السلام) لم يخرج محارِباً، بمعنى أنّ هدفه كان الحرب، بل خَرَجَ مُصْلِحاً، وداعية للحقّ، وثائراً لتغيير المجتمع والواقع؛ ولكن عندما فُرِضَتْ عليه الحرب، وأُريدَ له أن يعطي بيده إعطاء الذليل ويقرّ إقرار العبيد قال: “والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد”.
المسألة أن نصنع تاريخنا كما صنعوا
لذلك عندما تدخلون موسم عاشوراء لا بدَّ لكم أن تدخلوه بوعي، لا كمناسبة تقليدية تعيشون فيها تقاليدكم.. بل أن تفتحوا عقولكم لتفكِّروا من جديد… فقد مضى أبطال عاشوراء لربّهم، وقاموا بمسؤوليّاتهم، وعلينا أن نفكِّر أين كربلاؤنا نحن، فنحن لسنا مسؤولين عن كربلاء التاريخ، وكربلاء التاريخ بالنسبة إلينا مدرسة نتعلَّم بها، نأخذ من دروسها ممّا يبقى للحياة، وهم قد صنعوا تاريخهم بالكلمة، وبالموقف، وبالممانعة، وبالدماء، وكانت المسألة عندهم هي مسألة الإسلام، فأهل البيت (عليهم السلام) ليس لهم شيء خاص بهم، وإنّما كلّ ما عندهم، ممَّا تحدَّثوا به، وثاروا من أجله، وعايشوه من أوضاع، كلّه ينطلق من خلال الإسلام؛ فلذلك نحن نعتبر أنَّ الإنسان كلّما ارتبط بأهل البيت (عليهم السلام) أكثر، كلّما ارتبط بالإسلام أكثر، لأنَّهم جسَّدوا الإسلام بالفكر وبالحركة وبكلّ الحياة التي عاشوها.
ولهذا لا يمكن لإنسان أن يحبّ أهل البيت (عليهم السلام) كما يجب أن يُحَبُّوا، ويتعقَّد من مسلم مجاهد، أو يتعقَّد من مسلم داعية إلى الله، أو يتعقَّد من مسلم معارض، يعارض الحكم والواقع الفاسدين، لأنَّ أهل البيت (عليهم السلام) كانوا في خطّ المعارضة في مدى الزمن؛ ولذلك، فكلّ مَن يكون في خطّ الموالاة للظلم، وفي خطّ الرضى للفساد، فهو لا يرتبط بأهل البيت (عليهم السلام) بأيّ رابط.
من يكون حاشية وبطانة للظالمين، ويحاول دائماً أن يبرّر للظالمين ظلمهم، ومن يكون محبّاً ومخلِصاً للذين يتمثّلون باسم الإسلام، ولكنّهم يعيشون في حياتهم الفساد الأخلاقي والفساد الروحي والانحراف عن طاعة الله وعن عبادته، فلا يمكن أن يكون قريباً لمحمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنَّهم كانوا يريدون لنا أن نعمل على أن نكون في خطٍّ مواجه لكلّ هؤلاء.
نتعايش مع الباطل ولا نعترف بشرعيّته
قد يقول شخص: هل تريدنا أن ننعزل عن الواقع؟ فالواقع من حولنا ليس واقعاً إسلامياً، وإنَّ الذين يسيطرون على السّاحة ليسوا من الذين يؤمنون بالإسلام، أو من الذين يلتزمون الإسلام ويقفون عند حدود الله، فهل تريد لنا أن ننعزل عنهم، وعند ذلك يكون الفراغ؟
أنا لا أقول ذلك، ولكنّني أقول: هناك فرق بين أن تُدخل هؤلاء في عقلك ليتبنَّاهم عقلك، أو أن تُدخلهم في قلبك لينبض قلبك بحبّهم، أو في حياتك لتطيعهم من موقع الالتزام بهم، لتحارب من حاربوا، وإن كان من حاربوا ممَّن يجب أن يسالَموا، ولتسالم من سالموا وإنْ كانوا ممَّن يجب أن تحاربهم.. فرقٌ بين ذلك وبين أن تتعايش معهم من خلال حاجاتك العامّة أو الخاصّة، ومن خلال بعض القضايا المتّصلة بالأمور الحيويّة.
ممكن ان يطرح ، شعاراً يقول: نحن نتعايش مع الباطل ولا نعترف بشرعيّته؛ فهناك فرق بين أنّك تعيش مع الباطل وبين أن تعتبر الباطل حقّاً.
لذلك فعندما نعيش مع هذه الفئات من النّاس، في الداخل أو في الخارج، فلا بدَّ لنا أن نرفضهم إذا كانوا في الخطّ الذي يجب أن نرفضه، وإنْ كان من الممكن أن نعيش معهم. وفي حديث عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: “شرّ الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتّقاء شرّهم”.
فقد يكون هناك شخص لا يستحقّ أن تكرمه، وتحترمه، ولكن أنت قد يجوز لك أن تكرمه بمظاهر الإكرام، أو تحترمه بمظاهر الاحترام، من أجل أن تتفادى مشكلة، قد يخلقها لك أو للواقع.. فأنتَ بهذه المجاملات، أو بهذا النوع من أنواع التعايش، أنتَ تتفادى مشاكل وخصومة وأضراراً وشروراً كثيرة.
لذلك فعلينا أن نفرِّق بين أن نكون منفتحين على هؤلاء المنحرفين، أو الكافرين، أو المستكبرين، بقلوبنا، وبين أن نكون منفتحين عليهم من خلال طبيعة العلاقات والأوضاع التي تتّصل بالأمور العامّة والخاصّة.
ولذلك فقد كان الأئمّة (عليهم السلام) يربُّون أصحابهم على أن يقتلعوا من نفوسهم أيّ محبّة لظالم، حتّى بالمستوى الذي يتمنّى فيه بقاء هذا الظالم لمصلحته الخاصّة، ممّا لا علاقة للظلم به بشكلٍ مباشر.
يُنقل عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أنَّ هناك شخصاً من أصحابه، كان عنده جِمال، وكان يؤجّرها بين المدينة ومكّة لصالح الحجّاج، وفي إحدى المرّات أجَّرَ جماله لهارون الرشيد الذي كان في الخطّ الظالم خصوصاً لأهل البيت (عليهم السلام)، وهو الذي انتهى أمره بأن سَجَنَ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) لمدى أربعة عشر سنة من سجن إلى سجن حتّى دسَّ إليه السمّ في آخر سجن… وتقول الرواية نقلاً عن هذا الرجل، وهو صفوان الجمّال، قال: دخلت على أبي الحسن الأول ــــ الإمام كاظم (عليه السلام) ـــ فقال لي: يا صفوان كلّ شيءٍ منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك أيُّ شيء؟ قال: إكراؤك جِمالك من هذا الرجل ـــ يعني هارون الرشيد ـــ قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للّهو، ولكن أكريته لهذا الطريق، يعني طريق مكّة، ولا أتولاّه بنفسي، ولكنّي أبعث معه غلماني، فقال لي: يا صفوان أيقع كراك عليهم؟ قلت: نعم جعلت فداك، قال: فقال لي: أتحبّ بقاءهم حتّى يخرج كراك؟ قلت: نعم، قال: فمن أحبّ بقاءهم فهو منهم، ومَن كان منهم فهو ورد النار. فأنت عندما تدعو الله أن يطيل عمره أسبوعاً حتّى يعطيك، فكم يظلم هذا في هذه المدّة وكم يقتل وكم يعيث في الأرض فساداً؟ فأن ينعقد قلب الإنسان على محبّة ظالم، بحيث يتمنّى حياته لأيام لمصلحته الخاصّة، فهذا مرفوض.
تربية القلوب
ولذلك علينا أن نجلس مع عقولنا وقلوبنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، حتّى ندقِّق في من نحبّه ومن لا نحبّه، وفي مَن نبغضه ومن لا نبغضه. يروى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال لبعض أصحابه: “وهل الإيمان إلاّ الحبّ والبغض”.. حبّ الله، وحبّ رسول الله، وحبّ الخير، وحبّ العبادة، وهكذا… أن تدرس دائماً مَن دخل قلبك، فقد يدخل في قلبك عدو الله، لأنّه أحسن إليك، وربّما يخرج من قلبك وليّ الله، لأنّك ابتليت بمشكلةٍ معه.
لا بدّ لنا أن نربّي قلوبنا، كما نربّي أجسادنا، أن لا تحبّ إلاَّ في الله، ولا تبغض إلاّ في الله؛ وأن نربّي عقولنا أن لا تتحرَّك إلاّ بالفكر الذي يرضاه الله، ولا تبتعد إلاَّ عن الفكر الذي يسخط الله؛ وكما ننطلق لنصلح حياتنا الخارجية، فلا بدّ أن نصلح حياتنا الداخلية.. ونذكر في هذا المجال الحديث المعروف عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام): “إذا أردت أن تعلم أنَّ فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإنْ كان قلبك يحبُّ أهل طاعة الله عزّ وجلّ ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبّك، وإذا كان يبغض أهل طاعة الله عزّ وجلّ ويحبّ أهل معصيته فليس فيك خير، والله يبغضك، والمرء مع مَن أحبّ”.
إذن، أنتَ تُحْشَر مع مَن أحببت، فحاول أن تعرف حركة حبّك، وحركة بغضك، لتعرف هل أنتَ في طريق الله تسير، أو في طريق الشيطان تسير.
وهذا هو درس كربلاء… أن نحبّ الحسين (عليه السلام) بأن نحبّ كلّ نموذج حسيني، وأن نبغض يزيد بأن نبغض كلّ نموذج يزيدي، لأنَّ ذلك هو الذي يبقى لنا من كربلاء التي مضت بكلّ أشخاصها في التاريخ، وبقي لنا الرمز، الخطّ، والنموذج.
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق و اهله

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد