القوارير والتعليم

القوارير والتعليم
ـــــــــــــــــــــــــــ
تمر عليلنا الأيام بنهاراتها ولياليها , ونعيش أحلى أيامنا أو دون ذلك وحسب ما يهبه الله لنا من أوقات متناوبة مابين أتراح ومسرات , وقد تمكنت منا وأصبحت واقع حال ليس هناك من مهرب منها سوى تكيفنا مع الواقع الزماني والمكاني , ولم تستثن منها أحدا , غنيها و فقيرها , سيدها وعبدها , فجميع الورى متساوون فيما قدره الله لنا من أفراح وأحزان , ولكن أحيانا بامكاننا التلاعب في أحداثها وتبعاتها إيجابيا إذا ماكانت هناك أرضية مناسبة للأنقياد نحو جادة التغيير الإيجابي .
مرت علي أيام قاسية أثناء خدمتي العسكرية الطويلة , تناوب خلالها الشقاء والرفاء لأرى نفسي في جزيرة مجنون , وما أدراك ما مجنون , بالأمس القريب كانت خدمتي عليها اثناء الحرب , لأعود اليها فيما بعد سلما لاحربا في تسعينات القرن الماضي , مجنون ذات الطقس العجيب ، فلاصيفها صيف ولا شتاءها شتاء , لاماء صالح للشرب ولا كهرباء , أفاعٍ بيضاء وأخرى صفراء أو رقطاء وعقارب صفر وسود , البعوض والحرمس يتصارعون على أجسادنا , وإذا ماجن الليل خرج الخنزير والوشق من بين ثنايا القصب المحيط بنا من كل حدب وصوب , واليربوع يتسابق مع الفأر والجرذي في سرقة طعامنا بخاصة الخبز , فترانا نعمد على تعليقها في أكياس نايلونية بحبال تتدلى من سقف حجراتنا التي تأوينا , ومع كل هذا وذاك كان علينا لزاما أن نكيف أنفسنا مع احلك الظروف لأنها اصبحت واقع حال وليس هناك من مهرب , فعند حلول الظلام ترانا نجتمع سوية في غرفة أعدت لهذا الغرض , نمارس العابا مختلفة تحت أضوية الأسرجة النفطية وحسب المقدرة الشخصية , فهذان يلعبان الشطرنج , وهؤلاء يلعبون الدومينو , بينما راح اثنان هناك يلعبان طاولة النرد , كل هذه الممارسات تجري بحدود الإنضباط والأحترام والألتزام والتقدير بما لا يتعارض مع الأنضباط الوظيفي , وفي ليالي رمضان تكون اللعبة المفضلة ؛ لعبة المحبس ( المحيبس ) , وخلال تلك الألعاب تجري بعض المناقشات الفكرية والثقافية والحزورات , وكل منا وحسب ثقافته , وذات يوم طرحت عليهم مسألة فكرية في الشطرنج , وهي كيفية أن نضع ثمانية وزراء على رقعة الشطرنج من دون ان يتضارب بعضهم ببعض , فكانت ليلة ليلاء لصعوبة المسألة , وراح احدهم يقول أنه من المستحيل أن يحدث ذلك , وأيده جمع وراح جمع آخر منهمكون في محاولة حلحلة المسألة ولكن بدون جدوى , مما حدا بهم ان يترجوني في حلها , وكنت لها ولا ادعي باني من وضع حلها , ولكن كنت قد أحضرت معي عند عودتي من الإجازة ؛ مخططا في حل هذه المسألة ، فكان الاستغراب قد ارتسم على وجوه الحاضرين من ذلك الحل ، مما جعلهم يأخذون فكرة نشر الوزراء وراحوا
يرسمونها على ورق منفصل ليحتفظوا بالحل , وفي ختام تلك السهرة جاء ابو سعاد المدمن بلعبة الشطرنج بعلبة حلويات وهـَم ّ بتوزيعها لمناسبة حل المسألة الشطرنجية , وقد تمنى احدهم بالتوفيق لسعاد ومستقبلها متذرعا إلى الله أن يمن عليها بكرمه وتصبح طبيبة , ولكن فوجئنا برد أبي سعاد رافضا الفكرة من أساسها , وسأله أحدهم عن السبب , حينها أجاب بأنه يرفض كل ما يتعارض مع الكتاب والسنة والنبوية ، وكل ما يعمل عليه وينشده هو التمني بنجاحها من السادس الإبتدائي فقط وجلوسها في البيت منتظرة إبن الحلال , فاندهشت من جوابه واندهش من معي سائلا إياه , وهل تعليم الفتاة يعد مخالفا للكتاب والسنة واسنة النبوية ؟ أجابني بالإيجاب , فقلت له , عندي لك سؤال راجيا إجابتي عليه بكل صراحة , فهل لي أن اسئل ؟ قال .. سل عما بدا لك .. فقلت له , أليس عندك زوجة وأم وأخت وقريبات كثر ؟ قال .. نعم .. قلت له .. لو حدث لإحداهن حادث طارئ مسببا لها جرحا في منطقة حساسة من الجسم فمن هو أولى بالكشف عليها وعلى ذلك الجرح , الطبيب أم الطبيبة ؟ أجابني وعلى الفور .. بالتأكيد الطبيبة .. فقلت له , إذا كان تعليم الفتاة مخالفا للكتاب والسنة النبوية ، فكيف وصلت تلك الطبيبة إلى ماوصلت عليه لتعالج قريبتك , وهل انكم تستظلون بظلال بنات جهنم في الحياة الدنيا لتعالجوا نسا،كم وأنتم مطمأنـّين لجنة الآخرة لكم ولنساءكم لان تلك الطبيبات سلكن طريق الحرام على حد تعبيرك وأنتم وضعتم انفسكم على السراط المستقيم ؟ أرجوك أعد حساباتك , واعلم أن تعليم الفتاة بحكم الواجب الشرعي , أليس الفتياة المتعلمات تعليما كاملا هن من يعددن الشعب الطيب الأعراق ؟ أي غدا عندما تصبح أما ، ألا يصبح من الواجب عليها تربية وتعليم أبنائها تربية صحية لخلق جيل المستقبل ، حينها افغر فاه بينما تعالت اصوات اصحابنا .. أحسنت .. كيف لويت يده ؟ طالبين منه الإجابة , فراح متشبثا بأجابتة ومتلعثما , لايدري كيف يصوغ كلماته ويداري نفسه ليحصل منها على جملة مفيدة , وانتهت تلك الجلسة على صوت إطلاقة نارية من احد الحراس , خرجنا على اثرها وتبين لنا أنها كانت طلقة تحذيرية لخنزير كان قد وصل توا ً الى مقرنا .

ســــــــــعد عبدالوهاب طه

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد