ترنيمة كهربائية

ترنيمة كهربائية
ـــــــــــــــــــــ
البصرة مدينتي , عشت فيها طفولتي ومراهقتي وشبابي وكهولتي .. شربت ماءها وتنفست هواءها , اكلت من تمرها وعشقت حناءها ودرست وعشت اجمل أيام عمري فيها , فمن غير المعقول هجرانها , قد تكون طبيعة العمل وقد تكون عوامل أخرى تجبر الأنسان على مغادرة مدينته لكنها تبقى تعيش في وجدانه حيثما كان , وها انا اعود إليها مرة اخرى لأستنشق عبيرها والعيش مع احبائي , فهذا استاذي وذاك جاري وذياك صديقي الذي تنعمت معه بحسن العلاقة والأخوة الصادقة, ولكن لكي اعود إلى بيتي فهذا يتطلب مني بعض الوقت , لأعمال الصيانة قد تمتد لأكثر من ستة اشهر لأضافة غرف جديدة وبعض الأمور بما يتماشى و وضع عائلتي التي كبرت مع الأيام , لذلك استأجرت دارا مؤقتة لهذا الغرض والسبب , وكان نصيبي غرفة نوم في الطابق الأرضي , وعمدت إل٠ى تأثيثها أثاثا بسيطا وفقا لمتطلبات الإقامة المؤقتة إلا أني لاحظت ملاحظة جديرة بالأهتمام , ألا وهي وجود مروحة في سقف غرفتي من دون بقية الغرف تركها المستأجر السابق لصالح المستأجر القابل , فحمدت الله على جميل صنعه , ومع أول ليلة أنام فيها , شعرت بحرارة الجو , اذ كان الوقت حينها مطلع نيسان وبوادر الحرارة أخذت من مأخذها ما أخذت مما اعاق نومي الذي حدا بي إلى تشغيل تلك المروحة السقفية لتلطيف جو الغرفة واريح بدني المرهق من أعباء اعمال تنظيم هذا السكن , وقد فاتني انها كانت متروكة طيلة فصل الشتاء المنصرم , وما أن دارت دورتها الأولى لتعقبها دورات كثر حتى تطايرت الأتربة العالقة على ريشاتها الثلاث فالثمت فمي وانفي بمنشفتي الصغيرة لكي استبعد ما أعانيه من حساسية القصبات المزمنة والتي كثيرا ماتؤدي إلى التهابات تلزمني الفراش ولعدة ايام متحملا العلاجات التي غالبا ماتكون حقن في العضلة , ولكن ما اثار دهشتي لم يكن تطاير الأتربة فحسب بل الصوت المرافق لدوران ريش المروحة ولأجد نفسي بين حقيقتين , احلاهما علقم , فلا أستطيع إطفاء المروحة من جهة , وما أنا بقادر أن أتحمل صوت دورانها من جهة أخرى , وقد غالبتني السّـِنة إلا أني لم استطع النوم حتى إلى ساعة متأخرة من تلك الليلة .
ومع إنشغالي في اليوم التالي بمتطلبات أعمالي فلم يكن عندي متسعا من الوقت لشراء مروحة جديدة لتحل محل القديمة ولكن وجدت نفسي قد احتملت ذلك الصوت المنبعث منها وهكذا لبقية الليالي إلى أن اصبحت متأقلما مع ذلك الصوت وأمسيت أغفو بسرعة متعودا غير آبه له ، إلا أنه مازال يسبب لي بعض الأزعاج , وما أن انتهت مشاغلي المتفرقة الناشئة من جراء تأثيث المسكن ومتطلبات المعيشة فيه حتى أفرغت نفسي لمهمة الذهاب ألى السوق لأشتري مروحة جديدة من أجود المراوح التي لها سمعتها , وطلبت من ابني الكبير بنصبها وتركيبها بديلا عن تلك المروحة التي تركها المستأجر السابق الذي كان على دراية من أن اجور إنزالها وفصلها عن اسلاك الكهرباء ونصبها من جديد سيكلفه أكثر من قيمتها الحقيقية بالإضافة إلى عدم اهليتها للعمل مرة أخرى , وهاهو ابني الكبير ينصبها وأنا منشرح الصدر متأملا أن انام تلك الليلة بجو يسوده الهدوء والسكينة وليوصلها بالتيار الكهربائي وتدور ريشاتها الثلاث دورانا انسيابيا بعيدا عن الصوت المزعج كما في سابقتها , وما أن عدت مساء ذلك اليوم ودخلت غرفتي لأنام بعد جهد كبير في انجاز اعمالي لذلك اليوم طارحا جسدي على فراشي وكلي أمل أن أنام نومة هادئة إلا أني لم أخلد الى النوم ورحت أتقلب يمينا وشمالا حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة , ويبدو أن احاسيسي تعودت على ذلك الصوت وإني بحاجة إلى سماعه مرة أخرى , تذكرت حينها امهاتنا وهن ينشدن .. دللول يالولد يا ابني دللول .. وليغفو حينها الأطفال مع ذلك الصوت , فهل كان صوت المروحة بمثابة دللول يالولد يا ابني دللول ؟ .. ربما كان ذلك ولكن كان ( دللول كهربائي ) .

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد