من المحرمات السلوكية العامة و التي تساهم في بناء التنمية المجتمعية : اذاعت الفاحشة

🖋️ *الشيخ محمد الربيعي*
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} صدق الله العظيم.
▪️ما هو جزاء من يعيشون العقدة ضدّ الطيبين من الناس، ويحاولون تشويه صورتهم في الأذهان، كوسيلةٍ من وسائل التنفيس المرضيّ عن العقدة، دون حساب الآثار السلبية التي تنعكس على الفرد والمجتمع جرّاء ذلك كله؟
إن الآية الكريمة تحدثنا عن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وعن عقوبتهم المنتظرة في الدنيا والآخرة.
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ في الَّذِينَ ءَامَنُواْ} وذلك بإثارة الكلمات اللامسؤولة التي تتحدث عن حركة الفاحشة في حياة المؤمنين، من أجل إفساد طهارة الجوّ الإيماني الذي يغمر الجميع بأنفاس العفّة، حتى ليخيّل إلى الإنسان أن المجتمع يتفايض بالطهارة ويرفرف بالنقاء، في ما يراه من توازن الأفكار والمشاعر، واستقامة الأخلاق والخطوات، ونظافة العلاقات، فيأتي هؤلاء من هنا وهناك، ليطلقوا الإشاعات الكاذبة، بأن فلاناً زنى، وبأن فلانة انحرفت.. ويخوضون في ذلك، حتى يدفعوا الناس إلى الخوض فيه، فيتبدل الجوّ الطاهر إلى جوٍّ يوحي بالقذارة، ويتغير الهواء النقيّ إلى هواء فاسد، ويتحول الإيحاء في حركة الحياة من اتجاه يثير المعاني الطاهرة في الروح والشعور إلى اتجاه يثير المعاني القذرة في داخل النفس الإنسانية..
وهكذا تساهم الإشاعات والكلمات اللاّمسؤولة في انحراف الفكرة والإحساس، والخطوة والموقف، وتشكّل خطوةً تربويّة سلبيّة، بدلاً مما يريده الإسلام للكلمات أن تتحرك فيه، بحيث تكون خطوة تربويّة إيجابيّة، فإن الإنسان يتأثر بالمجتمع سلباً أو إيجاباً من خلال الفكرة التي يحملها عنه، أو من خلال الجوّ الذي يحتويه بفكره وروحه وحركته.
▪️وقد يكون هذا هو السبب في تحريم الإسلام لتداول الحديث في الجو الاجتماعي العام عن الانحرافات الحقيقيّة التي تحدث في المجتمع، بحيث تصبح تلك الانحرافات حديث الناس كلهم، لأنّ ذلك قد يخدش سلامة التصوّر الأخلاقي الذي يحتاجه الإنسان في عملية النموّ الذاتي، بما يثيره من مشاعر سلبيّةٍ منحرفة، كما قد يسيء إلى سمعة الإنسان المنحرف الذي لا يريد الإسلام أن يتحوّل الخطأ عنده إلى عقدةٍ مستحكمةٍ بسبب خوض الناس فيه، بل يريد أن يفسح له فرصة التحرك نحو التصحيح في خطوة تراجعيّةٍ دون أن يفقد شيئاً من الإحساس بالكرامة، ما دام الخطأ حالة طارئة خفيّة عاشها، ويشعر بثقلها في داخله.
محل الشاهد :
▪️سعى الإسلام من خلال أحكامه وتشريعاته وتوجهاته إلى حماية المجتمع ووقايته ممن يتهددونه ويسعون إلى تقويض أركانه، وهو لم يقف في ذلك عند التهديد الذي يتعرض له من الداخل والخارج من العابثين بأمنه واستقراره ممن لا بد من الأخذ على أيديهم ورد كيدهم وعدوانهم.. فهو تعدى ذلك إلى الذين يتهددونه بالمس بقيمه وأخلاقه تلك التي يقوم عليها المجتمع في قواعده وأركانه.. فضمان تقدم المجتمعات والأوطان هو بحفظ قيمها وأخلاقها وعدم المس بها.. وكما قال الشاعر:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
▪️والتركيز على حماية المجتمع بصون أركانه، هو الذي سيكون عليه حديثنا اليوم، والذي يبدأ وفي الأساس بالتشديد على الوقاية بتعزيز مناعته الروحية والإيمانية وخلق حساسية داخل النفوس من الفساد والانحراف وأيضا على عدم إشاعة الفساد والانحراف من خلال تتبع أخبار الفساد التي تحصل داخل المجتمع والإضاءة عليها لا لعلاجها بل لنشرها والتشهير بها وتوسعة دائرتها، لما لهذا الأمر من مردود سلبي أولاً على الأفراد الذين يرتكبون مثل هذه المعاصي عندما تشوه صورتهم داخل المجتمع أو الوطن ويسقطون بحيث يعطل دورهم ويحرمون المجتمع من أية مزايا إيجابية قد يمتلكونها مما قد يحتاجها المجتمع، والمردود السلبي الآخر والأكبر على سلامة المجتمع وأمنه الأخلاقي عندما يؤدي ذلك إلى تعميم ثقافة الانحراف على مدى أوسع مما فيه، فيلتفت إليها من لم يكن ملتفتاً، وليتحول بذلك الانحراف والفساد بمختلف أنواعه إلى أمر طبيعي بحيث يتطبع المجتمع على هذه الصورة، فلا تجد بعدها أية ردود فعل تجاه مثل هذه الانحرافات.
▪️وإذا أردنا مثالاً على ذلك وتأكيداً عليه هو الاعتداء الجسدي والذي قد يصل إلى القتل، فقد كان قتل إنسان يحدث صدمة داخل المجتمع، لكن بعد أن كثر الحديث عن القتل صار خبراً كبقية الأخبار وحتى أصبحت توجد التبريرات بشكل مباشر أو غير مباشر لهذه الأفعال، والأمر نفسه في الزنا، أو السرقة أو في الحديث عن الفساد وقد يصبح شاملاً لكل أنواع الحرام عندما يبرر أو يوجه ويصبح هو الحقيقة، ولعله إلى هذا المجال أشار رسول الله(ص) عندما قال: “كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر.. فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال(ص): نعم.. فقال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف.. فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ فقال: نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟”.
▪️ومن هنا جاء التوجيه الإلهي حاسماً في رفض فكرة إشاعة الفساد والانحراف وفي الإشارة إلى نتائجها، فالله سبحانه وتعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ}.. فهو توعد بالعذاب الأليم للذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.. وهذا العذاب لا يقتصر كما غالباً ما يكون الحديث عنه عن عذاب الآخرة بل إن هذا العذاب سيكون أليماً أيضاً في الدنيا.
▪️والفاحشة التي أشارت إليها الآية الكريمة هي لا تعني الزنا فحسب، كما قد يتبادر عند الحديث عنها هي واحدة منها ولكن هذه المفردة تعني كل الذنوب الكبيرة سواء أكانت بالقول أو الفعل.. فالمطلوب في هذه الآية هو حرمة عدم إشاعة كل ما يسيء إلى أخلاق المجتمع ويعزز عناصر الانحراف فيه وسبل الوصول إليه، من خلال الحديث عنها بين الناس أو بأن تنقل عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام.. وما أكثر في هذه الأيام من يسارع إلى نقل مثل هذه الأخبار وهناك برامج تعرض في وسائل الإعلام كل همها أن تثير الانحرافات التي تحصل في داخل المجتمع والإضاءة عليها من دون النظر بمسؤولية إلى تبعات هذا النشر وتداعياته..
▪️ونظراً لخطورة مثل ذلك اعتبر رسول الله(ص) الذي ينشر مثل هذه الأخبار ويروجها هو في حساب الله كفاعل الذنب ومرتكبه هما على حد سواء فقال(ص): “من أذاع فاحشة كان كمبتدأها”.
▪️ومن هنا نبّه الإمام الصادق(ع) ناقل كلام رسول الله(ص) إلى ضرورة عدم التسرع بنقل ما يسمع وما يشاهد، بل إلى حصره ضمن دائرة محدودة، فقال(ع): “من قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت أذناه ما يشينه ويهدم مروّته فهو من الذين قال الله عزّ وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
▪️ومن هنا جاء التأكيد إلى ضرورة ستر العيوب وعدم افتضاحها، “من ستر عورة مؤمن (والصورة هي النقيصة فيه) ستر الله عزّ وجلّ عورته يوم القيامة”، وقد ورد في الحديث “مَن تتبَّع عورة أخيه المسلم، تتبَّع الله عورته، ومَن تتبَّع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته”.. ومن هذا الباب جاء تحريم الغيبة، فالغيبة فضح لعيوب مستورة ونقلها إلى من لا يعرفها بحيث توسع دائرتها.
▪️أما منهج رسول الله(ص) في التعامل مع هذه الحالات فتذكر السيرة أن أحد أصحابه وهو حاطب بن أبي بلتعة ارتكب ذنباً كبيراً عندما أفشى سراً حرص رسول الله(ص) على إخفائه وهو أمر خروجه من المدينة إلى مكة لفتحها.. ليفاجئ قريش بوصوله دون أن تستطيع مواجهته لأنه كان يريد دخول مكة دون قتال، لكن حاطب أرسل رسالة إلى بعض رجالات قريش ينبههم مما سيقدم عليه رسول الله(ص) ويحذرهم من تداعياته عليه مقابل عدم التعرض لعائلته وأرحامه الموجودين في مكة، وهذا عمل خطير، هو خيانة كبرى.. لكن خبر هذا الصحابي وصل إلى رسول الله(ص) سواء عبر الوحي أو غيره ولم تصل الرسالة إلى قريش.. فجيء به إلى رسول الله(ص) فاعترف بذنبه وبرر فعلته بأنه كان يريد الحفاظ على عائلته، فأنبه رسول الله(ص) ولكنه قال للمسلمين العارفين بأمره: “ولا تقولوا فيه إلا خيراً”..
▪️لكن السؤال الذي قد يطرح ألا يساهم هذا التستر على تشجيع من يرتكبون هذه الموبقات على القيام بها بينما لو عرفوا أنهم سيفضحون لتراجعوا عنها.. وعلى هذا التساؤل نقول ونؤكد على اننا عندما ندعو إلى عدم التحدث عن الانحرافات والفساد والتي تقع داخل المجتمع لا نعني السكوت عنها والقبول بها، بل لا بد من أن ننصح بكل وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
▪️ولكن ما لا ينبغي حصوله وما نحذر منه هو نشر هذا المنكر وإيصال فعل المنحرفين إلى أبعد من حدوده والمكان الذي حصل فيه الى أن يصل الى إيجاد التبريرات في ذهن المتلقي أو ترسيخه كأمر واقع يتداول أو يتندر به على أوسع نطاق.
▪️نعم لا بد أن نشير إلى أمر وهو أن بعض الأفعال قد يكون من المفيد نشرها عندما لا يرتدع أصحابها إلا بذلك أو عندما يفعلونها علانية أمام عموم الناس أو لنشر العقوبة الرادعة التي حصلت بسببها.. ولذلك نجد أنه يجوز الغيبة إذا توقف على الغيبة الردع عن المنكر، فبعض الناس لا يرتدعون عن الحرام إلا بالأحاديث عنهم عند الناس، وكذلك تجوز الغيبة للمتجاهر بالمعصية وأيضاً نجد القرآن في حديثه عن الزنا {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.. فهذا الأمر مع إن فيه تعريفاً بالجرم الذي ارتكبه هؤلاء إلا أن فيه ردعاً لمن يريد ارتكاب مثل هذا الفعل عندما يشهد العذاب.
◼️أيها الأحبة:
لقد أراد الإسلام من خلال كل هذا التوجه بعدم إشاعة الفاحشة حماية القيم التي أراد لها أن تحفظ وأن تترسخ، وأن لا تهدد تحت أي اعتبار..فقوام المجتمع بأخلاقه وقيمه ومتى تعرضت للتهديد فالمجتمع في خطر..
▪️ولذلك اختصر رسول الله(ص) دعوته بقوله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.. وقد أرسل الله أنبياء ورسل ليعالجوا الفساد والانحرافات التي تحصل في داخل مجتمعاتهم..
▪️ومن مسؤوليتنا أن نعمل على الحفاظ على هذه القيم التي إن أسيء إليها فتهدد أركان المجتمع وقواعده.. وعلينا في ذلك أن لا نكتفي بوعيد الله بل أن نأخذ على أيدي العابثين بقيم هذا المجتمع سواء الذين ينشرون الفساد أو الذين يسعون إلى تسميم أجواء المجتمع بالفساد.
▪️إن من الطبيعي أن تحدث أخطاء وانحرافات داخل المجتمع فهو لم يكن ولن يكون معصوماً ولكن ليس من الطبيعي أن يقوم البعض في نشرها وتكبيرها وتوسعة دائرتها، بل الواجب هو العمل على مواجهتها عبر استخدام الوسائل المناسبة لمعالجتها.. ذلك أنه عند هذه المفاسد المطلوب الموقف الوسط فمن ناحية لا ندفن رؤوسنا في الرمال وكأنه لا مشاكل يجب معالجتها ومقاربتها في مجتمعاتنا ومن ناحية أخرى لا نشجع هذه الظواهر باشاعتها على السنتنا أو على وسائل التواصل أو الوسائل الإعلامية التي غالبا ما تقدم الربح المادي من خلال الإعلانات على ما ينفع الناس والمجتمع وهو كثير.
إن إشاعة الفحشاء يمس بمناعة المجتمع الداخلية وحصانته.. والبديل عن ذلك أن تنقل صور الخير والعطاء والمعروف والإحسان والتسامح داخل المجتمع أو قصص التضحية والجهاد والإباء التي يذخر فيها مجتمعنا. فهذا ما نرتقي به وهذا ما دعا الله إليه عندما قال: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}
وقد قال رسول الله(ص): “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}..
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق و اهله

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد