استنساخ الأفكار

استنساخ الأفكار
ــــــــــــــــــــــــــ
الدقة في نقل او طرح معلومة في موضوع ما , ناهيك عن مصداقية الطرح , يعطي للشخص الناقل لتلك المعلومة او طارحها , نوعا من قيم الإحترام والإتزان , وحتى لو كان ذلك تعبيرا عما يجول بخاطر المتحدث , هنا يجب أن يكون الأمر أكثر دقة ووضوحا لاسيما إذا كان معتمدا على مصادر موثوقة في تثبيت الحقائق .
في سبعينات القرن الماضي , عرض تلفزيون بغداد تمثيلية سهرة كان بطلها الفنان القدير الراحل خليل شوقي وتأليف الكاتب القدير صباح عطوان , تدور أحداثها في العام 1967 في اشارة أن الموضوع لايخص النظام في حقبة السبعينات منعا من الوقوع في امور لاتحمد عقباها مع الجهات الأمنية , وثيمة تلك التمثيلية تدور حول الظلم والجور الواقع على موظفي القطاع الخاص من قبل اداراة تلك القطاعات , وملخص القصة هي ؛ أن هناك موظفا ( خليل شوقي ) يعمل في شركة التأمين العراقية التي كانت عائديتها للقطاع الخاص ( شركة أهلية ) يفصل من عمله ويبقى في حيرة من أمره وهو صاحب عائلة لها مالها وعليها ماعليها من احتياجات مادية , وتنتهي التمثيلية في محطة قطار بغداد بمشهد توديع الفنان خليل شوقي من قبل عائلته , والذي كان يروم التوجه للبصرة باحثا عن عمل جديد , ولكن كانت عين الناقد الفني حسب الله يحيى لها بالمرصاد , إذ نشر بعدها بعدة أيام في إحدى الصحف المحلية نقدا لاذعا لتلك التمثيلية موضحا فيها إخفاق المؤلف في ثبيت تاريخ الأحداث , إذ أن شركة التأمين العراقية سبق وأن تم تأميمها منذ العام 1966 , فكيف كانت احداث التمثيلية تنتقد واقع أعمال تلك الشركة في العام 1967 ؟ وهذا يمكن اعتباره إخفاقا عرضيا وقع فيه المؤلف من دون قصد , ولكن ماذا يقول النقاد إذا ماكان العمل مشابه لعمل آخر يحمل نفس روحية الأحداث , إذ أن في تسعينيات القرن الماضي , عرض تلفاز العراق مسلسلا عراقيا بعنوان مناوي پاشا , ومناوي پاشا من المناطق السكنية المهمة في البصرة , ولو دققنا النظر من خلال متابعتنا لحلقات المسلسل , نرى أن المسلسل عبارة عن نسخة عراقية من المسلسل المصري الشهير ليالي الحلمية , والتطابق واضح حتى من عنوان المسلسل , فبينما شكل مسلسل ليالي الحلمية المشتق اسمه من اشهر المناطق السكنية في مصر وبالقاهرة بالذات , كان مسلسل مناوي پاشا كذلك مع إختلاف الموقع , ولو استرسلنا بتعريف شخصيات كلا المسلسلين لوجدنا تطابقا كليا مع بعض , فصفية العمري ( نازك السلحدار ) هي نفسها إيناس طالب ( سارة خاتون ) , و يحيى الفخراني ( سليم البدري ) و عبدالخالق المختار ( جوهر بيگ ) , صلاح السعدني ( سليمان غانم ) و غانم حميد ( زامل ) , هدى سلطان و فاطمة الربيعي وهكذا لبقية الشخصيات , إلا أن المفارقة أن أحداث القصتين هي ذاتها , ولم أجد أية متغيرات سوى أن مناوي پاشا نسخة من ليالي الحلمي بشكل عراقي , فيحيى الفخراني رجل اعمال ومهتم بصناعة نسيج الأقمشة يسعى لدخول عالم السياسة من أجل الحصول على لقب , پاشا ويتعرض إلى الفقدان بسبب أحداث الحرب العالمية الثانية ويعود ليتزوج من امرأة أخرى بعد طلاق صفية العمري ليتزوجها صلاح السعدني القادم من الريف وليطلقها فيما بعد لتعود إلى يحيى الفخراني , وبالأحداث نفسها ينساق عبدالخالق المختار ليشكل حدثا بارزا في تشابه الأحداث , فهذا عبدالخالق المختار ينفصل عن زوجته إيناس طالب ليتزوجها غانم حميد الرجل الريفي … وهكذا لبقية احداث المسلسلين إلا ان المختلف فيها أن ليالي الحلمية استمرت ليسفر عن ولادة أجيال من الأولاد والأحفاد في حين لم يستمر مناوي باشا لتلك الحقبة من الأبناء والأحفاد , وأخيرا طرق إلى مسامعي أن هناك جزءا ثانيا أنتجته عام 2004 قناة السومرية وثالثا في عام 2006 انتجته نفس القناة ايضا ولم تتح لي الفرصة بمشاهدتهما , مما يزيد الشكوك في تشابه الأحداث , ولو شاءت المصادفات من رؤية تلك الأجزاء لكانت لنا كلمة الفصل فيما حصل لنا من شكوك , وخلاصة القول أن هناك تشابها كبيرا يصل لطبق الاصل مابين المسلسلين ؛ ليالي الحلمية ومناوي پاشا مع الأعتراف بأن ليالي الحلمية أقدم أنتاجا من مناوي پاشا الذي امتاز بسعة المكان ليعبر تعبيرا ملحوظا ورسما اقترب من الحقيقة لحياة الباشوات وهذا مالم نره في مناوي باشا الذي عانى من اخفاقات ومثالب جمة في التعبير لغرض الوصول إلى حقيقة حياة الباشوات اليومية ومن تلك الإخفاقات أو المثالب قلة المساحة المكانية لتصوير حياة الباشوات وكذلك عملية تخزين التمر التي لا أدري كيف رسم مخرج العمل عملية التخزين في أقفاص جريد النخيل وقد بان منها المخزون وهو بحالته الصفراء وقبل نفضه من عذوقه حتى قبل أن يكون رطبا , كما أن الإختلاف هنا هو ان ليالي الحلمية كان مصريا في حين أن مناوي پاشا كان عراقيا , وان ليالي الحلمية من تاليف الكاتب الراحل اسامة أنور عكاشة وأخراج اسماعيل عبدالحافظ في حين أن مناوي پاشا كان من تأليف علي صبري وأخراج فارس طعمة التميمي .

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد