المثقف والتعالي

المثقف والتعالي
ــــــــــــــــــــــــــ
سمعنا كثيرا عن الغلو وهو في أبسط تعريف له ؛ المبالغة في المحبة او الكره , ولكن هناك غلو من نوع آخر ألا وهو الغلو في تعظيم الذات واعتبارها قمة في التكامل وانها ليست بحاجة إلى نصيحة او إرشاد في مسألة ما , وأظن أن ذلك مرض مستشر ٍ في مجتمعنا لاتختص به أية فئة دون اخرى , فتراه منتشرا بين المثقفين وغيرهم ، وبالتأكيد أن مثل هؤلاء مصابون بالنرجسية أكثر من غيرهم , وإلا فما معنى أن يتغافل هذا النوع من البشر ملاحظات الآخرين والإستعلاء عليها ، وحتى لو كانت تلك الملاحظات في مجال النصيحة ، مبررين ذلك بأنهم ليسوا بحاجة إلى نصائح الآخرين , هذا ماذكرني به أنه ذات يوم وبعد أن من الله علينا بحج بيته الحرام ووصولنا إلى الأراضي المقدسة مبتدأين بالمدينة المنورة , إذ وصلنا إلى هناك بحدود الساعة العاشرة مساء ً بعد رحلة طويلة متعبة عن طريق البر بواسطة حافلات النقل ، قاربت الـ ٥٠ ساعة .. وحالما وصلنا إلى الفندق المخصص لنا ، تم شراء شرائح الإتصالات على الفور ، وتبادلنا الأرقام مع زملائنا , ومن ثم تم استلام الغرف المخصصة لنا , وقد كان معي في تلك الغرفة أربعة من الأخوة الأعزاء يمثلون طيفا ثقافيا مختلفا فيما بينهم , أحدهم دكتور ( استاذ ) جامعي , والآخر طبيب اختصاص باطنية , والأثنان الآخران يعملان في مجال الأعمال الحرة , وبعد استقرارنا في غرفتنا المخصصة , أوينا إلى افرشتنا لنخلد إلى النوم لإراحة ابداننا من تعب الطريق , وعندما ابلجت ولاحت لنا خيوط الفجر مستشعرين برنات منبهات هواتفنا نهضنا لأداء الصلاة في المسجد النبوي الذي لا يبعد عنا سوى مسافة لاتتجاوز الثلاثمائة متر , ونظرا لأن زيارتي تلك لم تكن الأولى ( لأني سبقتها بأدائي العمرة ) فبالتأكيد كنت على دراية كاملة بـإسلوب وطرق الدخول والخروج إلى ومن المسجد , فأمليت عليهم نصيحتي , بأنه يجب علينا أن نعين باب الدخول جيدا حتى نتمكن من الخروج بالشكل الصحيح , فعلينا حفظ رقم الباب والحرف المصاحب له , فالرقم لايكفي إلا بمعرفة الحرف الأبجدي المرافق له , فلا يكفي رقم الباب مثلا ١٦ , أو ٢٠ .. بل علينا ان نتأكد من ذلك الباب سواء كان ١٦ أ .. او ب .. او ج , وهكذا لبقية ارقام الأبواب الأخرى , فلو دخلت من الباب ١٨ أ وخرجت من الباب ١٨ ب فهذا يعني أننا ستكون في منطقة او شارع من الصعب على الواحد ان يهتدي بعودته إلى الفندق ( كان ذلك قبل الترقيم الحديث باستخدام الأرقام المطلقة ) … هكذا كان طرحي خوفا من وقوعهم بالمحظور .. فبدلا من تقديم الشكر لي فاذا بهم يعترضون على نصيحتي لهم ، ومتذمرون من مقصدي الذي جعل احدهم يتقول .. بأنهم ليسوا اطفالا , وقال آخر , ليس هناك من داع , و .. و .. , قلت لهم .. أنا أعتذر والإعتذار ؛ ثقافة لايدركها إلا من تحلى بسمة الثقافة وأعدكم بأني سوف لن اكررها معكم ( ولا أخفي عليكم , كان قصدي من ذلك مبطن بالسخرية ) , وخرجنا جميعا , وحال وصولنا إلى المسجد النبوي وبتأثير الإزدحام وقع علينا امر ٌ قسري ٌ في التفرق , ولم يعد أحدنا يجانب الآخر , وذهب كل واحد منا إلى صوب لايعرفه الآخرون , وبعد انتهاء الصلاة والدعاء عدت على الفور وحيدا إلى الفندق لإستكمال النوم الذي كان بدني بأمس الحاجة إليه , وما أن استلقيت على فراشي حتى انهالت علي رنات هاتفي ولأربع مرات وكل مرة كانت لأحد هؤلاء الأربعة مستنجدين بأنهم قد ظلوا صوابهم في الخروج من المسجد والاهتداء إلى الفندق , وكان جوابي لهم في كل مرة استرشدوا بأحد العاملين هناك وأسألوه عن الباب ١٦ ب , والسير بالشارع الذي امام هذا الباب بخط مستقيم لمسافة ٢٥٠ مترا ً وسوف تشاهدون فندقنا على شمالكم وبالتأكيد انكم على علم بإسم الفندق من خلال البطاقات التي تم توزيعها علينا لحظة وصولنا , وما هي إلا دقائق معدودة حتى توالى وصولهم تباعا , الواحد تلو الآخر , حينها قلت لهم , أليس كان معي الحق وانا ارشدكم قبل خروجنا إلى المسجد؟ , اجابوا نعم كنت على حق ولم ندرك ماكنت تعني , ظنا منا بأنه مسجد عادي كما هو متعارف عليه ولم نكن نعلم أنه بهذا الشكل وبهذه المساحة , وادركوا تماما أن الأستعجال في ردة فعلتهم كانت ستعكر عليهم مزاجهم اذا ما عكرته فعلا , فلا بأس من الإسترشاد بنصح الآخرين بخاصة اثناء السفر .

ســــــــــعد عبدالوهاب طه

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد