مظلومون .. و ..صامتون

*مظلومون .. و ..صامتون ..*

أ.د.ضياء واجد المهندس

قبل ٦ سنوات، قام زملاؤنا بمسحٍ لكلِّ مدارس العراق ماعدا إقليم كردستان، و اعتمدنا في المسحِ على إخواننا و أصدقائنا في وزارة التربية و مديرياتها و على نقابة المعلمين، و كانت النتائج صادمة بالنسبة لي على الأقل، فقد تبيَّنَ أننا بحاجة إلى أكثر من ١٢٥٠٠ مدرسة لغاية سنة ٢٠٢٠ و أنَّ ٧٥٠٠ مدرسة يجب أن تدخل الخدمة سنة ٢٠١٦.. و بالرَّغم من محاولة الإخوة في مجلس الخبراء العراقي توخِّي الدِّقَةَ في دراستهم، إلا أنَّ منظمة حقوق الإنسان الدولية Human Wrights Watch HRW في تقريرها السنوي في ٢٠١٦
قدَّرت حاجةَ العراقِ إلى عدد مدارس ١١٠٠٠ مدرسة.. و الغريب أنَّ ازديادَ عددِ المحاضرين بالمجَّان كان يزداد بالألوف، و أنَّ اتجاه وزارة التربية على إنشاء المدارس الكرفانية و الذي يقترب من ١٠٠٠ كرفان في أطراف المدن و الريف و مخيمات النزوح قد جعل وضع التعليم الإبتدائي و المتوسط في وضعٍ كارثيِّ، لا سيما و أنَّ أكثر من ١٥٠ مدرسة طينية (جَمَّالي و صريفة) ما زالت في الخدمة.. و قد أظهر المسحُ أرقامًا و حقائقَ صادمةً لم يهتمُّ لها المعنيون، من حيث عدم توافر البُنى التحتية، فأكثر من ٤٥٦٠ مدرسة تعاني من عدم توافر الماء و مشكلات في الكهرباء و الصرف الصحي و هناك أكثر من ١٣٨٩ مدرسة متضررة معظمها آيل للسقوط، و أنَّ أكثر من ٣٩٨٦ مدرسة بلا مرافق صحية، و أنَّ معظم المدارس تعاني من نَقصٍ في المستلزمات و التجهيزات المتعلقة بالرَّحلات و السبورات…
منذ ٢٠٠٣ و إلى الآن، كانت و مازالت وزارة التربية وزارة استثمارية للسُّرَّاق الفاسدين الذين يُبدِّدونَ أموالَ مستقبلِ العراقِ و خَلاصها في تحويلها إلى جيوبهم و خزائنهم حتى أنَّ ترليونَي دينارٍ عراقيٍّ تمَّ رصدهم لبناء المدارس منه ٣٠٠ مليار دينار لبناء ٣٥٠ مدرسة في بغداد، دون أن نرى لها أثرًا، حتى أصبحت المدارس الثلاثية أكثر من ١٢٧٦ مدرسة و المدارس الثنائية أكثر من ٦٨٩٤٠ مدرسة.
أما المِلاكات التدريسية فإنها بائسة إلى درجة أنَّ أحد الإخوة المفتشين قال لي: إنَّ المعلمين و المدرِّسين في مدارسنا لو دخلوا إمتحان البكلوريا للسادس العلمي أو الأدبي فإنَّ أقلَّ من ٢٠٪ منهم قد ينجح، لأنَّ التدريس أصبح وظيفةً و ليس مهنةً رساليَّةً فيها الإعدادُ و المنافسةُ، و الذي يتطلَّبُ التعليم و التدريب و الإعداد المستمر كل سنة..

عندما سألتُ خبيرةً دوليةً في التعليم الأولي عن أنَّ الطالبَ الأولَ في العراق قبل سنتين كان من ريف الناصرية (مُناصفةً مع طالبٍ من بغداد من زيونة) يقطع ٢٥ كم ذِهابًا و إيابًا يوميًّا، و بمستوى اقتصادي لعائلته يصلُ لحدِّ الكَفافِ، ومن عائلةٍ لا تملِكُ أيَّ مستوى من التعليم، قالت لي: إنه التحدَّي، إنها إرادةُ تغييرِ وضعهِ الإقتصادي و الإجتماعي، أطَّرَ نفسَهُ بالنجاح و الحصول على معدَّلٍ يؤهله للمجموعة الطبية، و امتلكَ إرادةَ الفلاحِ و صبره في الإستمرار على تحقيق الهدف، بالرغم من صعوبة الطريق و الأجواء.. قالت عبارة في البدء لم استوعبها و هي ( *التحفيز الذاتي للإنقاذ)* و تعني أنَّ الطالبَ وَضَعَ نفسَهُ في وضعِ الكارثةِ، و لم ينتظر مساعدةَ الآخرَينَ (المُدرِّسين الخصوصيِّين و معاهدِ التقويةِ)، أو ينتظر دعمًا خارجيًّا (الحكومة أو المحافِظ في تقديم معوناتٍ مالية)، فقررَّ أن يُنقِذَ نفسَهُ بنفسِهِ…
لقد كانت بيئةُ الطالبِ بيئةً ملائِمًةً للإستمرار في التَّحدِّي و إنقاذِ نفسِهِ، فلم يكن محيطه فيه المراكز التجارية و المولات و الأسواق، و ليس هناك كافيهات أو نوادي أو مدن ألعاب و تسلية أو سينمات أو مسارح، و لم يكن مُتاحًا لديه الألعاب الإلكترونية و التواصل الإجتماعي عن بعد.. لقد أظهرت ضعفُ نِسبَ النجاحِ قبل سنتين التي لم تتجاوز ٣٠٪ في مجموعها مشكلةً خطيرةً، و أنَّ عدد الرَّاسبين في التعليم الأولي تجاوز مليون و نصف طالب، منهم أكثر من ٩٢٠٠٠٠ طالب في المرحلة الابتدائية، و أكثر من ٦٤٠٠٠٠ طالب في المرحلة الثانوية إلى ضُعفِ أداء المؤسسة التعليمية، و هذه الأوضاع المأسوية للتعليم الأوَّلي تحتاج إلى نهضةٍ عبر تحسين و تطوير كفاءات مِلاكاتها التدريسية و التدريبية و الإشراف و الإدارة و اختيار قيادات ذوات ذِمَّةٍ و أخلاقٍ و وطنيةٍ، جادَّةٍ في إعادة التعليم الأولي و التربية في العراق مَجدِهِ الذي دمَّرتهُ قِوَى الفساد والظلم والظلام ..أما هذه السنة فإنَّ النجاحَ لا يتطلَّب سِوى المشاركة التي صاحبتها تسريب و بيع للأسئلة و تلاعب في كونترول النتائج..

اللهُمَّ نشكو إليكَ ضَعفَنا، و قِلَّةَ حيلتِنا يا أ رحمَ الرَّاحمين ..أنت مولانا، فانصُرنا على القوم الفاسدين الظالمين.

أ.د.ضياء واجد المهندس
مجلس الخبراء العراقي

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد