قصة قصيرة… سوق الجنود الأمريكان

قصة قصيرة
سوق الجنود الأمريكان
عبدعلي اليوسفي
انا ادرك ان هذا السوق الذي اطلقوا عليه سوق الجنود الامريكان هو يحتوي على أشياء ومعدات تعود الى جنود قتلوا في الحرب عند احتلال البلاد من قبل الذين يرفضون هذا الوجود الغريب على ارض الوطن في الآونة الأخيرة ترددت أشياء على مسامعي عن هذا السوق الذي اتخذ مكانا في قلب المدينة
من الذين في دائرتي ومن الثرثرة الكثيرة في باصات المدينة والمقاهي والشوارع . الناس في بعض الأوقات العصيبة يهولون الأخبار ويسردونها بطرق عجيبة . أنا في الآونة الأخيرة قرفت كثيراً من مرأى همراتهم , ودباباتهم الشوكية الكبيرة وهي تتجول في شوارع المدينة مخلفة الحفر والثقوب في أديمها . بالإضافة إلى صواريخ المتشددين التي تطلق من مناطق نائية . لتقع في الشوارع الرئيسية .
أدرك أكثر من غيري ثقل وجود محتل في بلد ما . وإن حررك من اعتى الطغاة . لا يمنحك حياة كريمة لأن الحرية تأخذ ولا تعطى كما يقولون وهي الحقيقة ذاتها فعندما أنظر إلى الجندي الغريب أرى في عينيه الصفراء الحقد والضجر , والكراهية .قلت ((هو يكرهني وأنا أكرهه. فلا داعي لوجوده .)) في صباح ما قصدت سوق الجنود الأمريكان . عليَ أن أرى وأخزن بذاكرتي . كانت الهمرات تزئربشوارع العاصمة والمدن الأخرى واحيانا اسمع هدير محركاتها وهي تهدر في شوارع الاحياء السكنية الضيقة وكم يراودني الشعور باني أعيش بمدينة مستباحة من قبل جيش غريب يتجول فيها اناء الليل والنهار واذكر اني اندفعت من سريري مسرعا عندما سمعت ضربة قوية تو جهت الى باب بيتي فوجدت الباب مخلوعا وتمة جندي مارينز حقير يختفي خلفه بعد ان امطرهم احد القناصين من سطح احد البيوت بوابل رصاصات قناصته وادخل الخوف الى قلوبهم فمسكته من كتفيه ودفعته خارج البيت لكنه قفز بسرعة ووجه بندقيته نحوي وهو يرطن بكلمة كوه كوه لكني لم ابرح مكاني وكنت واقفا امامه رافضا تصرفه الاهوج مما جعله يستدعي احدهم وتم بطحي على الأرض ووضعوا الحديد بيدي لكن وابل الرصاص الذي انهمرفجاة بقوة جعلهم بلوذون بالفرار نهضت وعدت الى تامل الباب الذي خلعه هذا الماربتز القذر .وهذا ما دفعني للتفرج على اشيائهم بعد ان اصبحوا في اعداد الأموات . أنا أدرك من خلال الأفلام والروايات فشل الجندي الأمريكي في اغتصاب العالم وأني لم أنس عرنوص الذرة في أحدى روايات وليم فوكنر . عندما ولجت السوق عبقت بأنفي العطور عطور المخذولين لقد كانت في اخيلتهم تنا غمات ما من الزهو بالعطور اقصتها رصاصات القناصين والعبوات المتفجرة بالشوارع والتي إحالة حياتهم رعبا مدمرا . في مدخل السوق وضع شخص ما أنواع العطور على طاولة . قناني ملونة … كبيرة وصغيرة , مدورة ومستطيلة ومقعرة . وقناني على شكل أفاعي , أو كاسات . وأخرى على شكل أسطوانات فنية … وأنواع أخرى لم أركز عليها كثيراً . رأيت بعض القناني تشبه تلك التي أقتنيها أيامٌ خلتْ . كانت موجودة في أسواق مدينتي . عندما كانت مدينة جميلة … وعذراء .. شوارعها نظيفة , وسينماتها أنيقة . وكانت تزهو بمحلاتها ومطاعمها , وحاناتها الصغيرة المنتشرة في الزوايا والأركان . جلب انتباهي أن السوق مزدحم… وخاصة أيام العطل … لم يعد سوقاً بالمعنى المعروف. فهم عندما داهمتهم الاخطار وصار وجودهم لايطاق في المدن والشوارع واصبحوا حبيسوا الثكنات ضاقت الحياة بهم ذرعا وتخلصوا من كل ما هو كمالي من عطور وغيرها ومن ماتركه المقتولين بل وأصبحت أشياء المقتولين تثير قرفهم .فكان مصيرها ان ترمى مع النفايات ليقوم بعض الناس الفقراء والذين فقدوا عملهم من إخراجها من النفايات وعرضها بهذا السوق بعد تنظيفها حتى اني كنت احتقر كثيرا أولئك الذين يلبسون قلائد وخواتم وساعات وبدلات الموتى من الأعداء وحتى اقتناء سماعات الهواتف والجناكيل وغيرها .السوق هذا مجموعة من الأكشاك والطاولات والآسرة القديمة، انتشرت عليها البضائع المتنوعة . فنرى الأجهزة (DFD) أقراص أفلام ميموري , أفلام سكس، وأخرى مرسوم عليها وحوش ,وجنود فضائيين , وصور عصابات ونساء عاريات . يبدو هذا السوق يتمتع بحرية ما . تشبه تلك المدن البعيدة . وقد كسرت قيودها . منطقة تشبه الأسواق الحرة … إذ يباع فيها كل شيء مستهلك . ميداليات, سلاسل , أنتيكات , سجائر جرود غليظة , كرة القدم الأمريكية التي تشبه البطيخة , مضارب بيسبول , أدوية منشطة , ومكبسلة , روايات غير مترجمة, صور لممثلين , كاميرات , حقائب صغيرة وكبيرة بأنواع مرقطة . ومحفظات نقود . أعتده فاسدة ,ظروف رصاص فارغة , نواظير عاطلة . أكثر الأشياء منتهية الصلاحية . لكنك تجد ثمة من يبتاعها .. والملاحظ أن الباعة يصرون على رفع أسعارها . ونرى ساعات , تشيرتات مطبوعة عليها صور غريبة، بساطيل بعلاقة الأرنب . علامات خاصة بفرق الموت . والمرتزقة … وعلامات أخرى تحمل جماجم بشرية , وسكاكين متقاطعة . وعلى طاولات أخرى قهوة أمريكانو , وعلب السكر الأسمر, وغليونات تبغ الضباط الذين رايتهم يدخنوها عندما سجنوني في احدى المرات . . وتطالعك مرة أخرى ذكريات جنود قطنوا هذه المدينة . مازالت أشياؤهم ورائحتهم تضج بها ساحة المدينة . وربما أن أخيلة الجنود تستوعب أشكال الصور لمدينتنا التي عاشوا فيها . وربما كامراتهم التقطت الوجوه الملثمة للنساء , والأطفال , والوجوه السمر لممرضات المستشفيات التي مكثوا فيها وصور الطرق , أو شجرة وحيدة , أو نخلة مصلوبة تحت الشمس في الشارع الطويل الصاعد من المطار في ظهيرة قائظة .
الذي ثار انتباهي محفظات الجيب الخاصة بالجنود الموتى . انا افهم وأدرك سر هذه المحفظات في البدء . فتشت محفظة وجدتها على ركن طاولة كانت رمادية اللون وممتلئة بأشياء ما. في جيوبها العديدة فعثرتُ على صورة عائلية، الأب والأم وعسكري وزوجته وطفلين . وكل من في الصورة لهم ملامح مشتركة ، خضرة العيون أو استدارة الوجه والأنف والفم والحنك وغيرها . وعندما بحثتُ في الجيب الداخلي وجدتُ صورة لطفل … وعندما قارنتها بالصورة الرئيسية وجدتهم فيـها وفي أحــــد الجيوب وجدتُ رسالة لكــن دم قد سال وغطى ودمج اغلب الكلمات وكان من الصعوبة عليَ فك لغزها وتخيلت ان رصاصة ما اخترقت قلبه او راسه . صار عندي يقين ولا أعرف لماذا ؟ أن أصحاب المحفظات قد قتلوا في المعارك التي حدثت هنا . وبقيت هي الشاهدة عليهم .
هيمن عليَ شعور ما وانبثقت عندي رغبة عارمة في الحصول على محفظات الجنود الراحلين بالرغم من ادراكي ان الباعة قد فتشوها تماما ولم يبقوا شيئا نافعا .. وكنت في كل جولة جديدة للسوق الذي أدمنت المجيء إليه . أقتني ما يمكنني فيها ، وخاصة تلك التي تحتوي على جيوب داخلية كثيرة محشوة بالأشياء ، بعض الجيوب شفافة تظهر الصور, وأخرى معتمة ، حتى أن الباعة عرفوا اهتمامي وأخذوا ينادونني على محفظات جديدة لديهم وتحتوي على صور ويوميات ,أتخيل الجنود يدونونها في فترات استراحتهم أو إجازاتهم التي يقضونها في الفنادق انا اعرف لاتوجد رسائل ورقية متلما يتوقع الباعة وهل نحن في الحرب العالمية الأولى او الثانية او في حرب الخليج بل نحن الان في زمن الالكترون . انهمكت كثيراً في تتبع هذه الصور أتمعن في الوجوه فعثرت على الكثير من الصور للجنود، الموتى وان هذه الصور او المذكرات المقتضبة في المفكرات الصغيره هي ماتبقى من ارث لهم في ارض غيرارضهم . لكن صورة أثارت انتباهي تجمع بين جندي اسود وفتاة شقراء جميلة .تبدو زوجته. إذ وضع يده على رقبتها وأراحت هي رأسها على صدره . كانت جميلة بوجهها المدور الأبيض المشوب بالحمرة , وعينيها الخضراوين البراقتين وشعرها الأشقر، إزاء وجهه الأسود اللامع تحت ضوء الكاميرا وشفتاه الغليظتين . تأملتُ كثيراً بياض عينيه البارز واخضرار عينيها . وصور في كنائس وأديرة , ومراقص , وحانات , …أطيل النظـــر إلى صور الجنود الذين هم موتى الان .وهم يتخذون الزوايا والأركان في الحانات الكبيرة . يبدو منظر الحانة مظلم وثمة نيونات حمر تلمع …
أن في الحانة متسع من التأمل والشرود الذهني , والتحليق أكثر في الأخيلة . اذ يتذكرون دوي الأنفجارات , واحتراق الدبابات , ورائحة الحرق للأجساد البشرية . والألغام الكبيرة التي تنفلق تحت سرفات المدرعات . أو يذهب الخيال بهم بعيداً إلى مرافئ الطفولة , والصداقات الأولى , وتخيل دفء البيوت . والأرصفة الجميلة . وعثرتُ على محفظة لمجندة تحتوي صوراً عديدة لها في مراحل متنوعة من عمرها , وصورة مطرب الــراب ” تـوباك” الـذي اغتالتهُ العصابات , وصـور (مايكل جوكسـون ) بقبعتهُ الحمــراء وبنطاله الضيق وصـورة لـ (مارلين مارلو) لا أعرف في أي محفظة كانت . ان ذاكرتي تحلق بعيدا الى تلك الأيام الطويلة التي قضيناها بالسواتر ولوعة الفراق للاهل والاحبة ونحن ندافع عن بلدنا ولم نغزو بلدا ما .
حاولتُ ترجمة الكثير من واليوميات والبومات الصور . وكان اختصاصي باللغة الانكليزية جعلني أتمتع بها . لا سيما أن أغلبها مكتوب بهذه اللغة . وعند تأملي لما أعثر عليه من نصوص اومذكرات إذ تصف كيف نجا أحدهم من انفجار هائل ” كيف احترقت دبابة ومن فيها اثر لغم علق بسرفتها الكتابات تشبه المذكرات لانها مدونة بتواريخ
” أو نصوص ” الوضع هنا لا يطاق يا حبيبتي نحن تحت مطرقة القناص أينما ذهبنا وفي صفحة أخرى اجد في احدى المفكرات الصغيرة في هذا اليوم تعرضنا الى هجوم صاروخي ” و ” وعند تبديل وحدتي العسكرية سوف لن أعود إلى القتال مرة أخرى ” . ” أن الحرب جريمة كبرى . ولا أعرف لماذا يصر البيت الأبيض على أثارتها ” أن وجد ثمة دكتاتور في دولة ما أعلينا مهمة تغييرهُ , الا توجد شعوب يمكنها ذلك؟ ” ” وأن كان هناك من يملك الأسلحة المدمرة والغازات السامة . هل نحن مسؤولون عن شخص ينتحر ؟ ” ” هل يمكننا تغيير العقول الدخانية او الواهمة، أو” ما شأني في تغيير نظام . أقطع الجزر والبحار حتى أغيرهُ ويأتي أسوء منه ؟ هل أنا منقذ؟ ” .
تعيدني ذاكرتي إلى أيام خلت عـندما كنتُ فــي الجبهة حيث صدرت الأوامــر لي . بدفن قتلى الطـرف الأخــر حتى لا تتعفن جثثهم وتسبب الأمراض ، رغم أن الجنود قد رموا الكثير منهم في الشـط . وطلبت مــن القائمين بذلك . تفتيــش جيوبهم وإحضار هوياتهم التعريفية والأوراق والرسائل لعرضها على الصليب الأحمـر . وجلبوا لي الكثير منــها . حتى أني ضحكتُ بداخلي وأنا أكتشف أن هذه الرغبة قديمة لديَ وهي قـراءة تاريـخ الجنود الراحلين . في ذهابي الأخير الى هذا السوق شعرت بالقرف من هذه الأشياء التي تشي بالموت والقتل وشعرت بالتقزز من المحفظات والصور والمفكرات الصغيرة والبدلات العسكرية الملطخة بالدماء فوجدتني اغير مساري الى الشارع المشجر القريب من النهر وعبقت بانفي رائحة الماء ونسيم المويجات الممتزج مع عطر أوراق الأشجار وسرت بالشارع المحاذي للنهر حتى نهايته ثم قصدت المدينة القديمة وانا أرى الى شوارعها الضيقة التي صارت اعلى من أبواب البيوت وبدت لي البيوت تغوص الى أعماق الأرض كلما مر عليها الزمن وكلما دخلت فرعا سلمني الى اخر حتى وصلت الى ساحة كانت الساحة سوقا للطيور ورحت اتاملها وهي طائرة او وهي بيد أصحابها او التي في الاقفاص اتامل ريشها الملون وعيونها الخرزية الجميلة وارجلها واظفارها وكنت قدنسيت كل شيء كل شيء في تلك السويعات.

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد