الإشارة والحضارة

الإشارة والحضارة

واثق الجابري

عُدت الدول الأكثر تشريعاً هي الأقل تطبيقاً للقانون، والقوانين مجرد حبر على ورق تعتقدها الشعوب المتخلفة أنها سلب من حقها وقيود على حرياتها، بينما الدول المتقدمة فتعتقدها لخدمتها وتؤمن بتطبيقها، وفي الأولى تخالفها والثانية تلتزم بها كظاهرة عامة وعرف اجتماعي ومن المعيب مخالفتها.

إذا كان المجتمع يتغلب على السلطة تصبح الدولة ضعيفة، وإذا تغلبت السلطة على المجتمع، فتصبح الدولة دكتاتورية قمعية، والحل توازن بين الاثنين، ولا يكمن كما تعتقد المجتمعات التي لا تؤمن بالقانون، وتعتقد أن القوة هي سبيل تطبيقه، بينما تغيب أسس تطبيقه، ولا تدريس لمناهجه وحقوق الإنسان في المدارس، ولا ترسيخ لمفهوم القانون الذي يحقق مصلحة الجماعة لصيانة حقوق الفرد.

عندما تسير في شارع ولا تجد سلة مهملات، فإنك تضطر أحياناً الى رميها في الشارع، أو في تجمع نفايات غير لائق سمحت به البلدية في مكب غير نظامي، وعندما تريد عبور شارع ولا توجد منطقة محددة لذلك، فمؤكد أن العبور كيفي وعشوائي، ولو سألت سائق سيارة عن ماذا تعني الخطوط في الشوارع، ولماذا مرة متصلة وأخرى متقطعة، وما هي علامة الدلالة هذه وتلك، ولماذا الرصيف مصبوغ مرة بالأصفر والأسود وأخرى بالاصفر والأبيض، ومعظمهم لا يعرفه لأنه لا يرى في بغداد أية إشارة ضوئية تعمل، وفقط اثنان في المنطقة الخضراء ويقف لها كل سائق بإحترام.

إن النظام لا يُطلب من رأس السلطة فحسب، بل يحرص كل فرد أن يكون في بيته وعمله الخاص نظام، ولكن ما يرفضه في البيت تجده يقبله في الشارع، وفي عمله الخاص يقبله عندما يعمل في مؤسسة حكومية، وفي الأولى يحرص على كل دقيقة والثانية يسرق ساعات بدون عمل، ولا يقبل إلقاءها في مكان في المنزل أو يجمعها في بابه، ويوقف سيارته بانتظام أمامه، لكن حدود تملكه الشخصي يعتقدها بحدود ما يملك، وما سواها يتصور أن حقاً سلب منه فيأخذه بأية طريقة مشروعة وغيرها، ولا يعي أنه مالك ومملوك لقوانين وأنظمة وهو جزء من مسؤولية مجتمع، لفرد فيها مصلحة وللمجتمع مصالح.

كثيراَ ما نتحدث عن بغداد الحضارة، وجمال المدن ،إن تجمع بين الحضارة والحداثة، ولكن غياب بعض المقومات الأساسية معناه طمس للحضارة وتأخر عن الحداثة، وفي بغداد تغيب الإشارة الضوئية والعلامات المرورية وتخطيط الشوارع، ويستعاض عنها برجال مرور ينظمون السير في التقطعات وفي كل تقاطع ما لا يقل عن 10 أفراد، وبحساب بسيط 10 رواتب ما لا يقل عن 15 مليون دينار شهرياً، وهو أكثر بكثير عن إشارة ضوئية وكاميرا للمراقبة وربط إلكتروني.

ما أدهشني أنني عندما تحدث مع ضابط مرور كبير، فأجاب لولا وجود رجال المرور بالتقاطعات، لوصلت الأزدحامات الى حد أكثر مما موجود، وعندما سألت مسؤول بلدي في أمانة العاصمة فقال؛ عدم وجود الإشارة الضوئية أفضل من وجودها ولا أحد يلتزم بها! والظاهر أن رجل المرور هو من أصبح من لا يؤمن بالإشارة، ورجل الأمانة الذي يقول إننا نحاول أن نعيد بغداد الى الحضارة، هو الآخر لا يعرف أن الحضارة تبدأ عندما يفهم المواطن أن القانون لا يحتاج عقوبات صارمة فحسب، بل مجرد إشارة تمهد له رأس عبارة، فيها معنى أن القانون يصنع الحضارة، والقوة أحيانا تعطيك عن القانون استدارة وجفوة ومخالفة، ومن واجب الحكومة تهيئة الأدوات، ومن واجب المواطن الإلتزام.

تطبيق وكالة الراصد نيوز

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد