مقالات

(دروب الصَّبر) البحرالبسيط

(دروب الصَّبر) البحرالبسيط

جَفا البِلادَ عُيونٌ صابَها رَمَدٌ
إذ هاجَها شَوْكُ غَدْرٍ حاطَ مَرقَدَها

و شَلَّ حَيْصَ الأذى عَنْها قَذى كَدَرٍ
قَدْ شاكَهُ لُغْزُ بؤسٍ باتَ يُرْشِدُها

و الرُّوحُ هلَّتْ تُعادي وعكةً جَحَدَتْ
على عُرىً لَفظَ أَنفاسٍ تُرَدِّدُها

وَ النَّفْسُ هامَتْ على طِلاوَةٍ في عُنُقٍ
يُسامِرُ الوَجْدَ و الإحساسُ يَمْرُدُها

وَ العَيْنُ زاغَتْ عَن الأَوْهامِ في تُرَبٍ
تُداعِبُ الوَعْدَ و الأَضفارَ في يَدِها

عَيْشٌ تَجَلّى عَلى حُلْمٍ رَوى حِكَماً
تُوامِقُ العَقْلَ و المَرْحى لِمُنْجِدِها

يَرْقَى إليها جمالٌ في حُضورِ نَدىً
يُهامسُ الشَّتْلةَ المُثلى بِسُؤْدُدِها

وَ الوجْدُ حَنَّ إلى كياسَةٍ غَمَرَتْ
طُيوبَ شوقٍ إلى زُلفى تُخَلِّدُها

وَ العقلُ شنَّ على أَوْهامِ مأْرِبِها
شرارةً حاصرَتْ أحْلامَ مَوقِدِها

تاهتْ صَحارى نُهى فِكْر ٍ على مَدَرٍ
مِثْلَ الجِمالِ رَسَتْ في عُقْرِ مِرْبَدِها

تُساحِنُ المَجْدَ و الأنسابَ قاطبةً
نَحْو الرَّدى في عُرى زَرْدٍ يُقَيِّدُها

و الذُّعْرُ قَدْ هاجَهُ نَبْضُ الشُّعورِ على
عُمْقِ المَشاهِدِ في مَنْفى يُشَرِّدُها

و الصَّبرُ هَزَّ مَزايا مُرْتجى سَعْدٍ
و الفِكْرُ وشَّى على ما بثَّهُ مْقْصَدَها

أعتى الوباءُ ديارَ الكَوْنِ في حَزَنٍ
و نابَ عنْ زُهْدِ نَفْسٍ ما يُهَدِّدُها

و الغَدْرُ حابى مَطايا وَحْشَةٍ جَثَمَتْ
و القَبْرُ أغرى عُرى مَشْفى يُضَمِّدُها

قد أشْجَبَ القَلَقُ الساري هُدى دِعَةٍ
و تاهَ عَنْ حِكْمةٍ ما قد يعي غَدَها

ففي المدائِنِ أوجاعٌ رَمَتْ سَقَماً
و في القُرى هاجَمَتْ ما كان يَجْحَدُها

قدْ قُلْتُ حِينَ توالى الدَّمْعُ في نُقَبٍ
مَنْ ذا الذي يَصْنَعُ الحُسْنى فَيُرْشِدُها

إذ نابَ عنْ شَجْوِ روحٍ ما يُحَفِّزُها
و النَّفْسُ ثارَتْ على بُغْضٍ يُهَدِّدُها

سَيَسْعِفُ الخالِقُ الباري قُرى أَملٍَ
قد هُجِّرَتْ بِرحْمةِ آياتٍ تُؤَيِّدُها

صَبْراً على صَبْوةِ الأَشْجانِ إنَّ لَها
عُقْبى على شَجْبِ نُضْجٍ في تأَبْجُدِها

فالأَرْضُ في وَسَطِ الآلامِ قَدْ غَمَطَتْ
جُرْحَ الحِمى في بَرىً أضْنى تَأَسُّدَها

هبَّتْ ذِئابُ دُجى لَيْلٍ عَلى صَخَبٍ
إِذْ هاجَها فَجْرُ يومٍ جاسَ مِحْصَدَها

فهاجَمَتْ تقْتفي عَبْرَ المَدى زُمَراً
مِثْلَ اللُّصوصِ تَمي في ساحِ مَرْصَدِها

و قَدْ توانى الضَّنى في ردعِ مِخْلَبِها
حيالَ جأشٍ وَعى شَأواً لمَشْهَدِها

قَدْ أجْفَلَ الكاهِلَ الراسي عُرى جَلَدٍ
يَمْضي إلى مُقلٍ تَقْفو تَمَرُّدَها

إنَّ الدِّيارَ و إنْ جابَ الرَّحى حَذَرٌ
فالقَهْرُ ماضٍ عَلى آمالِ مُفْسِدِها

يَرْقَى إليها ذهولٌ مِنْ صَهيلِ رُؤىً
تُواجِهُ الطَّامَةَ الكُبْرى فَتُقْعِدُها

يَصبو إلَيْها جُموحٌ في رؤى جَدَدٍ
يَنْسابُ في لهفةٍ يَبغي توسُّدَها

إنَّ المَشاعِرَ قَدْ سارَ الطُّموحُ بِهِا
و قد سبى هاتفٌ في الروح يَسْنُدُها

كأنَّ شَوْقَ اللُّقى تَقْتادُهُ عِبَرٌ
إلى مُروجِ السُّوى فيما يُجَدِّدُها

يَمضي إليها غريمٌ في حُضورِ وَغَىً
أصابَها سَهمُهُ في صَدْرِ مَعْقِدِها

و النَّفْسُ ماجَتْ مِن الإِصْرارِ في قِيَمٍ
حينَ الوعودُ وَعَتْ إضْفاءَ تَهَجُّدِها

كَأَنَّ فيها رَحيقٌ سامَهُ عَسَلٌ
في خافقٍ حَصِفٍ يَهْوى تَوَدُّدَها

يَسْعى إليْهِ الكَلامُ في حِجا لُغَةٍ
أنارَها اللاعِجُ الوافي لِيُرْشِدَها

و قَدْ هَفا العِطْرُ في أَحْضانِ مِغْزَلِها
و الخُبْزُ ضاجَ على نيرانِ مَوْقِدِها

إنَّ القلوبَ و إنْ زَكَّى الهُدى دَمَها
فالطُّهْرُ ساعٍ إلى فَحوى زُمُرُّدِها

تَحُطُّ طيباً على أنحاءِ مَوْكِبِها
فَيَرْتَقي كُلَّ أَمْرٍ في تَجَلُّدِها

و الصَّمْتُ في زحمةِ الأفكارِ يُبْهِجها
من التَّبَخْتُرِ فالإِحْسانُ مَقْصَدُها

فَمِنْ عَبيرِ الوَمى تَنْسابُ أُغْنِيَةٌ
بِها طُيوبُ نَدى الأشْعارِ تَرْفِدُها

قَدْ أَلْهَمَ العاشِقُ السَّاعي جَنى مَطَرٍ
وَ قَدْ تحابَتْ غُيومٌ في تَلَبُّدِها

و صارَ مَرامُ النُّهى يُضْفي المنى عَجَباً
من التَّغَنِّي عَلى إتقانِ أَثْمَدِها

فَفي أَديمِ النَّوى صادَ الهَوى كَبِداً
قَدْ حابَهُ مُلْتَقى الإحساسِ في يَدِها

و جالَ يديمُ الرَّنا و الرُّوحُ قدْ هَجَعَتْ
من الحُنُوِّ على مَرأى تَوَدُّدِها

مثلَ الصُّقورِ سعى يرجو سُوى هدفٍ
و قد تَهادَتْ رؤى شوقٍ لمُسْعِدِها

إنَّ العيونَ و إِنْ جاسَ البريقُ بِها
جَلا التَّحَدِّي عَلى أجْفانِ مَقْصَدِها

إذ راعَها لَحْظُها في دَفْقِ مَوْكِبِها
و حسرةٌ هَمَسَتْ في طُهرِ مَوْعِدِها

تهافتتْ في سُهولِ الليلِ حالمةً
على تراب الحِمى تَقْضي تَهَجُّدَها

و الفجرُ أضحى يواسي بسمة هَرَعَتْ
و قد أناخَ عَلَيْها فَأْلَ فَرْقَدِها

خُطواتُ روحٍ طواها الهَجْرُ في وَطَنٍ
و الصَّبْرُ قد جاسَها حتَّى يُسَدِّدَها

أينَ العُقولُ التي بِالفَهْمِ أحْسَبُها
عبرَ الدهورِ و قد قادَتْ تأبْجُدِها

على صُوى عالمٍ تُضفي الثَّرى أمَلاً
قَدْ حاسَهُ رَعْسُ حزمٍ جاءَ يُسْعِدُها

فيا لسَعْدِ الجَوى المُجْتاحِ مُهْجَتَها
عبْرَ الشُّعورِ الذي قدْ أَجَّ مَوقِدَها

و يا لوجدٍ تَسامى في البَرى قُدُماً
عَبْرَ الدُّجى نحْوَ وَعْدٍ رادَ يَعْضُدُها

فَلَنْ يُشادَ الهُدى من عُصْبةٍ غضبتْ
إن قادَها في الوغى منْ عاثَ مَسْجِدَها

و الفكْرُ راحَ يُباهي الرُّوحَ في خُلُقٍ
أهْدى جَبينَ الوَرى سِرَّاً يُخَلِّدُها

و الهجرُ داسَ على تَغْريبَةٍ تَرَكَتْ
عَلى طُروسِ الحمى ذِكراً يُفَنِّدُها

و الوَعْدُ ماجَ على الأَحْلامِ في مُقَلٍ
يَرنو إِلَيْها المُنى إنْ رادَ يُسْعِدُها

قَدْ يُزهدُ الشَّاعِرُ الهادي بِلَوْعَتِهِ
صَدىً يحومُ على الذِّكْرى فيبعدُها

خَيْرُ القَلائِدِ في الأيامِ أَرْفَعُها
وَ أَفْضَلُ العَيشِ فيها نُبْلُ مَقْصَدِها

بقلم
علي موللا نعسان
‏سوريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى