مقالات

هذا الامتحان – وكالة الراصد نيوز24

بقلم المحامي علاء صابر الموسوي

هذا الامتحان

الراصد / بقلم علاء صابر الموسوي .

 

النفس الانسانية كالجسم. تسعد وتشقى.وتصح وتمرض وتتسامى وتتسافل. وهي كذلك كالجسم بحاجة إلى وقاية قبل الاصابة. وبحاجة إلى علاج اذا سقطت فريسة الأوبئة التي تنتاب النفوس المظلمة التي فقدت مناعتها فخارت قواها…..
وان الجسد حقيقة فانية وانه ثوب ابتلاء خلقه الله لامتحان الروح. والصفة البشرية بما فيها من شهوات واهواء ورغبات ونزوات هي الاخرى ابتلاء وامتحان لتوجه الروح والنفس.
لاوجود للصفة البشرية بالأصالة وانما هي الاغواء الذي تختبر به النفس رتبتها ودرجتها.
هل تدرك الروح نسبتها إلى الله وتتوجه اليه بكل حبها وشوقها. ام يجرها الجسد إلى شهواته.!!!
هل تدرك النفس انها مخلوقة وانها مسؤولة اما ربها عماتفعل؟؟؟!!
هنا الامتحان…
وحقيقة الذاكرين أولئك الذين انساهم حب الله أنفسهم فتوجه كل وعي وشعور فيهم نحو الأحد المعبود. فصار هذا الحب عطاء في نفس المحب. واستجابة في قلبه. لذا كان ضربا من ضروب العبادة. ومنبعا ثرا من منابع التوجه والشوق العميق إلى الله سبحانه..
فأولئك هم الذاكرون الذين لم يكن ذكرهم لله مجرد لقلقة لسان.ولاتردد عبارات. أو تدافع الفاظ تولد على شفاههم خاوية ميتة. بل ذكروا الله عن تفكر ومعرفة ووعي لمضامين الذكر. وتدبر لمداليل التقديس والتسبيح والثناء. فأنكشفت لهم حقائق الايمان وتجلت امامهم مظاهر العظمة الربانية. فصار ذكرهم تعبيرا صادقا عن وعيهم الكامل لارتباطهم وتعلقهم بالله سبحانه. واحساسهم بالأفتقار والحاجة إلى عظيم صفاته وكمال ذاته. لذا فهم لايزالون يثنون على هذه العظمة. ويهيمون حبا وإعجابا بتلك الصفات. متنعمين بتجربة هذا الحب والقرب. مدركين ان مايسبحون فيه من غمرات الحب. وما يستغرق ذواتهم من انوار القرب. وماتحمله نفوسهم من حب ومعرفة ليس إلا القبس من فيض سرمدي. وإلا الهمس من عالم الإلقاء والفيض الأبدي. الفيض الذي تفتحت افاقهم المحدودة لاستقباله. وقصرت وسائلهم عن الوصول إلى سعته فلم تبلغ مدى عظمته. ولم ينكشف لها الجلال على حقيقته..لذا فهم أدركوا أن لولا السماح لهذا الانسان القاصر الفقير بالوقوف في ساحات الذكر والمناجاة لما كان مؤهلا لنيل هذا الشرف. ولما كان محلا للتقديس والتنزيه إذ ما عسى أن يبلغ الانسان بأحاسيسه وعقله وعباراته حين يناجي بارئه وخالقه بقوله:أنت عظيم. وأنت قدوس. وأنت رحمن.فالحق كما وصفه النبي الامين(ص) بقوله:
[لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ].
أو كما عبر الإمام علي(ع) عن هذا المعنى بقوله:
[ كل دون صفاته تحبير الصفات .وضل هناك تصاريف اللغات ] .
أو كما عبر الامام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) وهو يردد في مناجاته:
[ إلهي لولا الواجب من قبول أمرك لنزهتك من ذكري إياك. على أن ذكري لك بقدري لا بقدرك. وما عسى أن يبلغ مقداري حتى اجعل محلا لتقديسك. ومن أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا. وإذنك لنا بدعائك وتنزيهك وتسبيحك. إلهي فألهمنا ذكرك في الخلاء والملاء. والليل والنهار. والاعلان والأسرار. وفي السراء والضراء. وآنسنا بالذكر الخفي. واستعملنا بالعمل الذكي. والسعي المرضي. وجازنا بالميزان الوفي. إلهي بك هامت القلوب الوالهة. وعلى معرفتك جمعت العقول المتبايتة. فلا تطمئن القلوب إلا بذكراك. ولاتسكن النفوس. إلا عند رؤياك. أنت المسبح في كل مكان. والمعبود في كل زمان. والموجود في كل آوان. والمدعو بكل لسان .المعظم في كل جنان. واستغفرك من كل لذة بغير ذكرك ومن كل راحة بغير أنسك ومن كل سرور بغير قربك. ومن كل شغل بغير طاعتك.
إلهي انت قلت وقولك الحق:[ ياايها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. وسبحوه بكرة واصيلا] وقلت وقولك الحق:[ فاذكروني أذكركم ] فأمرتنا بذكرك. ووعدتنا عليه أن تذكرنا تشريفا لنا وتفخيما وإعظاما. وهانحن ذاكروك كما امرتنا. فانجز لنا ماوعدتنا. ياذاكر الذاكرين. ويا ارحم الراحمين ] …
اذا آثار هذه العبادة المخلصة أيضا هو شعور النفس بوجود الله الدائم. وعدم نسيانها له.
فالانسان الذاكر يرى الله معه في كل عمل يقوم به. ويحس بوجوده في كل آن ومكان يعيش فيه. حتى يرى الله قائما في كل شيء. ومع كل شيء…
لذلك اقول:
تجربة الحب الالهي تجربة انسانية رائعة. لايدرك ابعادها ولا مضامينها الا أولئك الذين عاشوا مشاعر الاستغراق في ابدية الحب والشوق الالهي العميق..
أولئك الذين مزقوا حجب(الانا) واحاسيس الانفراد فأذابوها في ابدية هذا الحب والتجرد المطلق. وعاشوا في ذهول في عالمهم الذي مابرح يحكم قبضته. ويقوي اسوار سجنه. ويرسل شتى صنوف الاغراء والاستهواء للاستحواذ على قلب الانسان وعقله. فأنطلقت تلك المشاعر التي اخصبتها تجربة الحب الالهي من اعماق وحدتها تمزق أطر التحيز. وتهدم حصون الانانية المغلقة لتنطلق الذات الانسانية إلى عالم السعة والامتداد. باحثة عن غاية الفطرة الكبرى…خالق الانسان…مصدر الكمال. ومبعث الجمال. لتعبر عن أحاسيسها. وتترجم مشاعرها. كلمات تعظيم. وعبارات تقديس. محققة لنفسها حالة الحضور والانشراح الدائم بذكر الله والثناء عليه.
فهو المعبود الذي لايغيب ذكره. والاله الذي لاتغرب عن النفس معاني وجوده .فصفاته وافاضات حبه..بالنسبة لهؤلاء الذاكرين. هي النور الذي يملا آفاق البحث عن الحب في ضمير الانسان الذاكر. وهي الحقيقة التي تستبعد قلبه وعقله. فيؤلهها. فيركع. ويسجد. ويسبح بالحمد والثناء. ليعبر عن مشاعر الحب والعبودية في نفسه لله الاحد المعبود.

 

زر الذهاب إلى الأعلى